|
يرتبط
التفكير الفلسفي
في عمومه بقطبين اثنين، أو لنقل بعقلين، عقل نظري
ينظر في العلل والماهيات المجردة، وآخر عملي ينظر
في التاريخ والواقع، مجتهدا في ابتكار مناهج
لتدبيرهما وفي اجتراح وسائل لتطويعهما وفقا
لغاياته ومراميه. وإذا كان البحث الفلسفي قد تركز
بالأساس، ومنذ بداياته الأولى، على العقل النظري،
فإن اهتمامه قد تحول، من فترة وجيزة، إلى العملي،
واضعا يده في عجين التاريخ، مسائلا وباحثا ومنقبا،
غير مكتف بالتفسير بل ساعيا إلى التقويم والتغيير،
حتى صار هذا الأمر هو السمة الطابعة للفكر الفلسفي
المعاصر. ولعلنا لن نجد شاهدا على صحة هذا الأمر
أفضل من "يورغن هابرماس".
يمثل يورغن هابرماس
الفيلسوف، عند الدارسين، أحد القمم الفكرية في
زمننا، وتعتبر نظريته النقدية إحدى أعتد القلاع
الفلسفية في عصرنا، ولعل هذه القوة التي تسم وتميز
فلسفته لا تكون متأتية إلا مما ذكرناه بدأ، أي من
انكبابه على هموم زمنه وانشغاله بأسئلة عصره.
يمثل هابرماس امتدادا قويا للتقليد الفلسفي
الألماني الجامع بين التكوين النظري المتين وبين
التوجه العملي ذي النفحة التي تعكس وعيا عميقا
بماهية الزمن المعاصر، وانخراطا كاملا في همومه.
ويبدو من الصعب أن نمسك بتلابيب فكر هابرماس
وفلسفته في بعض صفحات. فقد راكم الرجل منذ قرن
ونيف عشرات الكتب، وصنف وما يزال تآليف عدة، عارضا
ومعترضا، منافحا ومساجلا، وفي ميادين شتى تشمل
تاريخ الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس
واللسانيات والسيمياء والتاريخ والسياسة وغيرها،
وهو ما يجعل من قراءته أمرا غير يسير، بله
الاشتغال عليه والتأليف فيه.
ويمكن عموما أن نجمع شتات تآليف هابرماس وكتاباته
في محورين اثنين، أولهما "ثوري" ذي نفحة ماركسية،
نجمع فيه مجمل ما كتبه قبل سفره "نظرية الفاعلية
التواصلية" ثم آخر "معياري" ذي منزع كانطي، نجمع
فيه ما ألفه بعدها، وعلى الخصوص كتاباته
المتأخرة : "كتابات سياسية"، "القانون
والديمقراطية"، "القانون والأخلاق" (1)، ورغم هذا
الفصل الذي يميز ما بين هابرماس "ماركسي" وآخر "كانطي"والذي
يحاول تفسير الانعراج الذي عرفه مساره، فإن عناصر
قد ظلت تجمع بين المرحلتين، وخصائص مشتركة ظلت
تطبع الشقين، أولهما الانتصار للنقد، منهجيا، كأهم
خاصية للتفكير الفلسفي، وثانيهما الانتصار لمبادئ
الفلسفة، قيميا، باعتبارها المبادئ الأقدر على
تقويم انحرافات التاريخ وتسديد حركته تجاه
المأمول.
فما الذي يميز النظرية
النقدية لهابرماس؟ وما مبرراته في الانتصار لقيم
الحداثة ومبادئها؟ ثم كيف تشتغل هذه النظرية
وتتبدى في المرحلة الأولى من تفكيره؟ وكيف تشتغل
وتتبدى في المرحلة الثانية ذات الطابع الكانطي؟
وكيف يتظافر كل ذلك في تأسيس نظريته في السياسة
والديمقراطية؟
1-
Stéphane HABER, « HABERMAS et la
Sociologie », Première édition, PUF, p. 95,
1998.
* النظرية النقدية ليورغن
هابرماس :
ارتبط إسم هابرماس بما اصطلح عليه في أدبيات الفكر
الفلسفي المعاصر بالنظرية النقدية لمدرسة
فرانكفورت و "معهد الأبحاث الاجتماعية" الذي أنشأه
أقطاب هذه المدرسة. ومهما يكن من أمر بخصوص كونه
يشكل امتدادا للتراث النظري لهذه المدرسة، أو يشكل
قطيعة معه (2)، فإن الباحث لا يجد بدا من إثبات
بعض الوشائج الواصلة بين ما خلفه رواد هذه المدرسة
الأوائل، وبين ما يكتبه هابرماس. من أهم هذه
الروابط، مزاوجته بين كونه عالم اجتماع وفيلسوف،
وتلك سمة ميزت أسلافه من فلاسفة النظرية النقدية
(3)، وثانيها تبرمه من النزعة العلموية الوضعانية،
واستحضاره الدائم للتراث الفلسفي الألماني كأساس
لكل فلسفة اجتماعية ممكنة، وفي هذا السياق تابع مع
"هانز ألبير" السجال الذي كان قد افتتحه أستاذه"
ثيودور أدورنو" مع "كارل بوبر" في أواخر الخمسينات
وبداية الستينات ( .(4
وثالث هذا السمات التي يمكن
رصدها بين الاتجاهين، هو انتصاره للنقد كأهم أفق
ممكن للفكر الفلسفي المعاصر. فما الذي يقصده
هابرماس بالنقد؟
يميز هابرماس في كتابه "المعرفة والمصلحة" بين
ثلاثة أصناف من المعارف، تقابلها ثلاثة أنواع
من المصالح. هناك أولا المعرفة العلمية
التجريبية التحليلية (نجمل فيها العلوم
الرياضية والفيزيائية وتطبيقاتها)، وتمثل
العلوم ذات البعد المصلحي الأداتي والتقني
(5)، الذي يهدف إلى السيطرة على الطبيعة لصالح
حاجات الإنسان، ويجسدها العقل الأداتي (6).
-2
أنظر في هذا الصدد مقدمة كتاب :
Jay,
Martin., « L’imagination Dialectique », Ed.
Payot, Paris, 1977.
3
-
نشير في هذا السياق إلى أن بحثنا لنيل شهادة
الإجازة كان متعلقا بالتراث النظري لمدرسة
فرانكفورت، ممثلا في نموذج هربرت ماركوز.
4 -
RIVELAYGUE (J) : « HABERMAS et le maintien de la
sociologie », Archives de philosophie n° 46.
1986.
-5أنظر
أيضا الصفحة 28-29
من مفدمة كتاب :
« La
technique et la Science comme idéologie »,
Gallimard. Paris. 1973.
6 -
« HABERMAS et la sociologie », op. cité : p. 27.
ثم
هناك ثانيا المعارف العملية، ممثلة في العلوم
التاريخية والتأويلية (تهم كل العلوم التي تحقق
التفاعل البشري، علوم اللغة مثلا)، التي تكون
غايتها تحقيق التواصل والتفاعل بين الناس في إطار
شمولي، ويمثلها العقل التواصلي. وهناك ثالثا،
المعارف التحريرية (العلوم الاجتماعية والفلسفة)،
التي تهدف إلى تمكين الناس من التحكم في دواليب
السلطة والمجتمع وتحريرهم من الاستلاب بمعناه
العام. ولن يتأتى هذا الأمر إلا باعتماد النقد
كأساس لكل اجتهاد فلسفي. ولعل هذه الخصيصة، أي
النقد كأفق للمعرفة، هي الحسنة الكبرى للماركسية.
إذ إن ماركس هو أول من حاول "أن يجعل من إرادة صنع
التاريخ المسلمة التي تكون بها المعرفة ممكنة"
(7)، لهذا فإن الماركسية تشكل نموذجا لهذا النوع
من المعرفة (8).
لا يصعب علينا أن نستنتج
بأن هابرماس، يدمج انشغالاته النظرية في إطار هذا
النوع الثالث من المعرفة. ولا أدل على ذلك من أن
يسم توجهه بأنه "عقلانية نقدية" هدفها الحرية.
ويحدد هابرماس المهام
الأساسية لهذه العقلانية النقدية في ثلاثة أساسية
:
- الإنتصار للتكامل في الرؤية العلمية
بدل التجزيء.
- بيان ما يمثل العنصر الجامع والكوني في
المعرفة العلمية وكشف العناصر التي تجعل من
الممارسة العلمية نشاطا جامعا بين الثقافات على
اختلافها.
- الإنتصار للنقد الجذري ذي الأبعاد
الإيديولوجية والمعرفية الأخلاقية, ضد دعوى
"الاستقلالية الوهمية للنظريات (....) عن الشروط
العملية التي ولدتها"(9) .
7
-
-نرى
في الفقرة المتعلقة بالحداثة والعقلانية، أن مرض
الحداثة الأساس في نظر هابرماس هو سيادة هذا النوع
من العقل على غيره.
-
8إضافة
إلى التحليل النفسي : أنظر الفصل 12
من
« Connaissance et Intérêt »،
المعنون ب :
« Psychanalyse
et Théorie de Société », Ed. Gallimard, P.
305-331, 1976.
-
9
نظر الصفحات 302/309.
من نص :
« Après
MARX », Ed. Fayard, Paris, 1985.
لكن
هذه "العقلانية النقدية" لن تستطيع أن تحقق هذه
المهام، وأن تكون فاعلة في زمنها ما لم تنفتح على
مجمل علوم عصرها، وما لم تحاول أن تتبنى "استراتيجية
تركيبية"، أي ما لم تكن "بحثا متعدد الاختصاصات
تتمفصل فيه فلسفة مغداة بالعلوم الوضعية،
والاجتماعية على الخصوص، يعتمد سندا له، وعيا
فلسفيا واضحا بالغايات والأهداف التي يروم
تحقيقها" (10). ومن هذا المنطلق، فليست الفلسفة
مذهبا ذاتيا، بل هي مشروع مجتمعي سياسي ذي مهام
تاريخية محددة.
إذا كان النقد هو الأفق
الوحيد الممكن للفلسفة في زمن العالم المعاصر،
وكان التحرير من أشكال السلطة غير الشرعية ومن
شرانق الاستلاب والهيمنة السياسية اللاعقلانية
المستندة إلى "الإيديولوجيا" العلموية و"ثقافة"
الاستهلاك المهمة التي ينبغي أن نفعل من أجلها
نظرنا النقدي، فما الأساس الفلسفي الذي ينبغي
الاستناد عليه؟ وفي ظل أي تصور ممكن للعقل يمكننا
أن نعمل؟ وبغاية أي نموذج للمجتمع ينبغي أن نتحرك؟
تضعنا هذه الأسئلة في عمق
الإشكالات الفلسفية لهابرماس، وتلك أبعاد أخرى
تتداخل وتتضافر في إطار نظريته النقدية، إلى حد
يصعب معه التمييز والفصل.
الحداثة والعقلانية :
إذا ما كان الإنتصار للفلسفة والنقد، ومعاداة
النزاعات الوضعية والتكنوقراطية، هي العناصر
الرابطة بين النظرية النقدية الأولى ومشروع
يورغن هابرماس، فإن هناك عناصر قطيعة بارزة
تفصل بين التوجهين، ألا وهي الأسس التي يمكن
أن يستند إليها المشروع النقدي. ففي الوقت
الذي انتهت فيه النظرية النقدية الأولى إلى
"إقالة" العقل من كل دور إيجابي فاعل (11) في
التاريخ، وإعلان "إفلاس" المشروع الفلسفي
والسياسي للحداثة، ظل هابرماس مؤمنا بمعيارية
العقل،
10 -
« HABERMAS et la Sociologie », op. cité, p10.
11 -
« Théorie de l’agir communicationnel », p.10.
cité in : « école de Frankfurt », Assoun. P.L,
Ed. PUF, 1998, p. 93.
كأساس لكل بديل أخلاقي أو سياسي منتظر، وبمبادئ
الحداثة كمشروع لم يستنفذ بعد وكقوة بمقدورها أن
تجبر كسورها الذاتية وأن تصحح انفلاتاتها
بالاعتماد على نفسها (12). إلا أن عناصر القطيعة
مع هذا التراث ما تفتأ تحصل حتى نلفى عناصر ربط
أخرى ما بين وبين تراث فكري آخر لعل أهمه هو تراث
ماكس فيبر.
يؤكد بعض الدارسين (13) أن لا إمكان للحديث عن
إشكالية الحداثة عند هابرماس دون العودة إلى ماكس
فيبر، وذلك لأسباب عدة، أولها أن ماكس فيبر مثل
"جراح" العصر الحديث بامتياز، الذي بحث في مستندات
الحداثة الشرعية والسياسية، وحدد بدقة نوع
الاختيارات الفلسفية التي تأسست عليها، وفصل في
شكل المؤسسات والقوى الفاعلة فيها أخلاقيا
وتاريخيا. وكان بذلك أول من استطاع أن يلملم شتات
العصر الحديث في إطار نموذج فكري جامع (14).
وثانيا، أن مجهود هابرماس الفلسفي والسوسيولوجي،
ليس في العمق سوى نوع من الحوار المفتوح مع ماكس
فيبر، ومحاولة للإجابة عن الأسئلة المقلقة
والمتشائمة التي وضعها فيبر على الحداثة :
- كيف يمكن أن نعوض الفراغ الذي خلفه خسوف
المؤسسات التقليدية في عصر الحداثة؟
- كيف نحرر العقل من سمته "القمعية"
الغائية، وهي السمة التي اعتبرها فيبر
الماهية الثابتة للعقل الحديث، ونبحث فيه عن
إمكانات أخرى تحريرية ونقدية؟ ونجعله يستمد من
ذاته، بعد سقوط كل مرجعيات الاستناد
التقليدية، أسس المشروعية التاريخية
والأخلاقية؟
12 -
« Discours philosophique de la modernité » Ed.
Gallimard. 1988, CH : 1.
13
-
انظر مقدمة كتاب :
Sintomer
Yves, « la démocratie impossible », Ed. La
découverte, Paris, 1999.
و
على الخصوص الصفحات 13-14-15
14 -
« HABERMAS et la sociologie », op.cité. p. 66
كيف
نجعل من الديمقراطية أمرا ممكنا،بعد أن قطع فيبر
بأنها مستحيلة، وأن قدر المجتمع الحديث أن يحكم من
طرف نخبة "امتيازية" متسلطة (15)؟
يمكننا أن نعتبر مجمل أعمال هابرماس محاولة
للإجابة عن هذه الأسئلة المقلقة. ولعل من الأمور
التي تزكي انشغال هابرماس بها، أنه استهل عددا من
نصوصه انطلاقا من عرض فكرة لفيبر (16). وهو ما
يعني أن أية قراءة لهابرماس لن تكون مستوفية
لشرائط الدقة ما لم تستحضر هذه الوشائج الرابطة
بين تفكير الرجلين، وبالأخص تفكيرهما في الحداثة.
يلخص أحد الدارسين نظرة هابرماس للحداثة في جملة
واحدة : "الحداثة مشروع لم ينته بعد لأنه لم يتجسد
قط" (17) . تلخص هذه الجملة بشكل دقيق نظرية
هابرماس في الحداثة. لأنها تكشف عن الشقين
المكونين لفكره : أولا العودة إلى أصول الحداثة
بقصد تجديدها، وثانيا الانكباب على نقد المسلك
التاريخي الذي اختارته. كيف ذلك؟
يتميز هابرماس من بين مجموع
مجايليه من الفلاسفة بكونه أكثرهم تمسكا بالحداثة،
وانتصارا لمبادئها. إذ أن اجتهاداته الفكرية هي
منافحة عن الحداثة ونضال من أجل إعادة بنائها،
وتجديد أسسها، وذلك أولا بنقل عنصر الثقل فيها من
العقلانية الأداتية الغائية ذات المنزع الكلياني
إلى العقلانية الحوارية التواصلية القائمة على
حرية المبادرة والنقد في إطار مجتمع تواصلي،
15 - « La
Démocratie impossible », op.cité p : 102-103 /
p : 83-84.
-
16
يمكن هنا استحضار نصين يمثلان دلك، هما نص
"التقنية والعلم باعتبارهما ايديولوجيا"، ثم
"الخطاب الفلسفي للحداثة".
17 - « La
Démocratie impossible » ibid, p : 140.
وثانيا بالبحث في هذا العقل التواصلي، عن عناصر
تمكننا من لحم التمزقات التي خلقتها الحداثة على
مستوى المشروعية السياسية والأخلاقية، وذلك
بمحاولة البحث عن أسس للشرعية في هذا العقل وحده
دون غيره، تكون ذات طابع كوني ومتعالي(18).
يتساوق هذا الشق "البناء"
في فكر هابرماس، والذي عمل فيه على تشكيل نظرية في
التواصل والمجتمع، من خلال بناء نظرية في العقلنة
تستند إلى أسس الحداثة ومبادئ العقل الأنواري بقصد
خلق مجال عمومي يشتق شرعيته من "عقل عملي تواصلي"
بشق آخر ننعته "بالهدمي" أو بالنقدي، ونعني به
مجموع النقاشات مع ما يسميه هو إجمالا "بالنزعات
اللاعقلانية".
يسم
هابرماس باللاعقل كل النزعات الفلسفية والسياسية
التي تناهض العقل الحداثي إما في صورة فلسفة وضعية
ودعوات بيروقراطية، وهي النزعات التي تستبعد كل
الحمولات النقدية المعيارية التي كان عقل الأنوار
مشحونا بها، وتنادي في المقابل بفهم أداتي "تقني"
للعقل(19)، أو في صورة نزعات تاريخانية شكية ترفض
عقل الأنوار برمته، إما باسم الاختلاف أو باسم
الطوبا والتصوف(20).
تسقط النزعة الأولى في "التعطيل"، إذ أنها تحول
العقل من قوة تشريعية، وطاقة ثورية، إلى مجرد حساب
وتطبيق باسم "منطق الأشياء"، وباسم "الموضوعية"
التي تحددها "الحواسيب"(21) .
18
-المعنى الكانطي للكلمة.
19
- يمثل نص "المعرفة والمصلحة" "Connaissance et
Intérêt" ونص "التقنية والعلم كإيديولوجيا "
« La
Technique et la Science comme idéologie”
أهم النصوص التي حاور فيها هابرماس هذا الاتجاه.
-
20يمثل نص "الخطاب الفلسفي للحداثة "Discours
philosophique de la modernité" ونص "الفكر بعد
الميتافيزيقي، "La pensée post métaphysique" أهم
النصوص التي حاور فيها هابرماس هدا الاتجاه.
21 - « La
technique et la Science comme idéologie », ibid,
p : 92.
وتسقط النزعة الثانية في
التناقض. إذ أنها، أولا، تدعو إلى نبذ العقل
الحداثي، لأنه من منظورها "قمعي" في عمقه، ودليلها
في ذلك ما انتهى إليه القرن الذي نودعه من كوارث.
ولكن هذه النزاعات تتناسى، من منظور هابرماس، أنها
تعتمد العقل ذاته في نقد هذا العقل "القمعي"وأنها
بانتصارها للاعقل، تفتح باب القمع والتطرف على
مصراعيه. فالقمع والتطرف لا يحضران إلا حيث يغيب
نور العقل.
يظهر مما سبق، أن مفهوم العقل يمثل أهم دعامة
يستند إليها هابرماس في تأسيس فلسفته. فهو الدعامة
في التأسيس لنظريته في المجتمع (مجتمع التواصل)
وفي السياسة (الديمقراطية الحوارية)، وهو المستند
في مواجهة النزعات اللاعقلانية فلسفية كانت أو
تقنوية. وتتبين هذه الأهمية أيضا في كتاباته
المتأخرة، ونخص بها كتاب "Droit et
démocratie"حيث حاول أن يأسس لنوع من العقل
العملي، ذي روح كانطية، يشكل أساسا "أخلاقيا"
متعاليا يحكم العملية التواصلية في المجتمع. ولعل
المنافحة الشديدة عن العقل بمعناه الأنواري
الحديث، هو الذي دفع بعضهم إلى نعته بالنزعة
المثالية، التي تمتح أصولها من الميتافيزيقا
الألمانية الحديثة(22).
22 - RAWLS,
John : « Débat sur la justice politique »
Référence, p : 51.
Voir aussi
ROCHMORE, (T) : « De l’intérêt à la raison »,
p : 447 - 448.
إن الحديث عن الحداثة أو
العقل عند هابرماس، هو حديث عن أمرواحد، إذ
الحداثة والعقل مفهومان متضافران متماهيان يستدعي
أحدهما الآخر، فسيرورة الحداثة هي سيرورة العقلنة،
والتجسيد التاريخي للعقل لم يكن ليحصل إلا مع مقدم
أنوار العصر الحديث. ولعل هذا هو الذي جعل هابرماس،
يرادف في مواقع عدة من نصوصه، ما بين الحداثة
والعقلانية، أو على الأقل، شكلا معينا من
العقلانية. لكن، ما دلالة العقلانية التي يقصدها
هابرماس؟ وما الذي يميزها عن أشكال العقلانية
الأخرى التي انتهى إلى رفضها؟
التواصل والحجاج :
تحصل لدينا مما سبق أن
المشروع الأساسي الذي أخذ هابرماس على نفسه
القيام به هو محاولة إعادة بناء الحداثة وتحد يد
أصولها، وذلك بمحاولة نقل عنصر الثقل فيها من
العقلانية الأداتية الغائية (كما حددها فيبر) ذات
النزوع الكلياني الإستدماجي إلى العقلانية
الحوارية التواصلية القائمة على الاتفاق الحاصل عن
المجال العمومي. لكن ما المقصود بالتواصل في هذا
السياق؟
ورد
في مقدمة أحد نصوص هابرماس ما يلي :
"التواصل هو ذلك التفاعل المصاغ بواسطة الرموز،
والذي يخضع ضرورة للمعايير الجاري بها العمل،
والتي تحدد إنتظارات سلوكات متبادلة، حيث يتوجب أن
تكون مفهومة ومعترفا بها من طرف شخصين فاعلين على
الأقل" (23).
يتحدد التواصل في هذا السياق باعتباره ذلك التفاعل
(intersubjectivité ) الذي يتغيا خلق تفاهم بين
الذوات في إطار اجتماعي محدد، بحسب معايير
للمشروعية والتفاهم تشتق من العقل نفسه. إنه نوع
من التبادل اللغوي والبرهاني الذي يحتكم إلى ضوابط
أخلاقية ومنطقية تحدد منهجه وغاياته.
23 - « La
technique et la science comme idéologie »,
op.cité p : 22.
يرتبط هذا المفهوم في
فلسفة هابرماس جوهريا بمفهوم آخر لا يقل عنه أهمية
وخطورة. إنه البرهان والحجاج.
لا
يحصل التواصل الحق، من منظور هابرماس إلا متى تم
تعليق الاستناد إلى السلط الخارجية في تعضيد
الآراء والمواقف أثناء عملية التواصل. إذ أن
التواصل الحق هو الذي لا يستند في إنتاجه للحقيقة
وللمشروعية إلا على فعل التبادل البرهاني. فإدعاء
الصلاحية ينبغي أن يكون معللا بحجج عقلية (24)
والمقصود بالحجاج في هذا السياق، العملية التي من
خلالها "تنوي إقناع مستمع كوني" (25) بحسب برهان
"يتضمن حججا مترابطة بشكل منظم (....)" ينتهي إلى
تحصيل الإجماع والاتفاق، إذ أن قوة حجة ما داخل
سياق معين تتحدد بمدى" قدرتها على إقناع (جميع)
المشاركين في المناقشة"(26).
يأخذ مفهوم التواصل هنا دلالتين على الأقل، أولهما
معرفية، حيث أن الحقيقة لا تصبح مفهوما جوهريا
متعاليا ينبغي إدراكه في "استقلاله" وتعاليه
الميتافيزيقي، بل اشتغالا تفاعليا تواصليا يعمل من
خلال المناقشة البرهانية على "إنتاج" الحقيقة. وفي
هذا الأمر تجاوز للطرح المثالي التقليدي لمسألة
الحقيقية ونزوع نحو تناول أكثر براغماتية
و"تاريخية"؛ وثانيهما سياسية، إذ أن المعيار في
تحديد الاختيارات السياسة وتدبير المصير التاريخي
يصير موكولا إلى المجال العمومي وإلى عملية
التفاعل التي تحصل بين العناصر المكونة للنسيج
المجتمعي، وفي هذا الأمر تجاوز للطرح التقليدي
لمفهوم الديمقراطية، القائم على اعتبارها مجموعة
من الاختيارات السياسية "النظرية" التي تعمل جماعة
ما على تطبيقها في فضاء اجتماعي وتاريخي افتراضي.
24 – « Raison
et légitimité ». P : 176.
25
– ماريا كارينو،
"
خطابات الحداثة"
، ترجمة عز الدين الخطابي و إدريس كثير، دار ما
بعد الحداثة، فاس، 2001 : ص 142
-
26"خطابات
الحداثة"
: ص 142.
غير
أن التواصل كمفهوم لا يقف عند هذه الآفاق التي
يفتحها في هذين المستويين فقط (المعرفة والسياسة)،
بل إنه يتوسع ليشكل العماد والمتكأ الذي يبني عليه
هابرماس نظريته في الحداثة نفسها، إلى حد أن نظرية
الحداثة التي يعمل على تأسيسها تتسم بكونها حداثة
تواصلية (27).
لقد سبق وتقدم بأن عمق
المشروع الهابرماسي هو تجاوز العقلانية الأداتية
الفيبيرية نحو نوع آخر من العقلانية، وإن المبرر
الفلسفي الذي يقدمه لتجاوز هذه العقلانية الأداتية
لا يسمح له به إلا مفهوم التواصل نفسه.
يميز هابرماس بين نوعين من
الفعل العقلاني أحدهما استراتيجي قائم على التسخير
والاستخدام لأغراض منفعية، والآخر تفاعلي قائم على
التذاوت.
وإن كان النوع الأول هو
الذي يناسب العلاقة التي يمكن أن تقوم ما بين
الإنسان والأشياء كما هي في الطبيعة، (الإستراتيجيا)،
فإن الثاني هو الذي يناسب العلاقة التي يمكن أن
تقوم ما بين الإنسان والآخر في إطار فضاء عمومي
معين. وإن هذا التمييز الأساسي هو ما لم يستطع أي
من الفلاسفة المعاصرين الذين اهتموا بموضوع
الحداثة أن يحصلوه، منذ ماركس إلى حدود ماركوز. إذ
أن جميع هؤلاء الفلاسفة ( بحسب هابرماس) أخذوا
العقل باعتباره استراتيجيا فقط؛ أي أنهم لم
يعتبروا فيه غير الجانب الكمي العملي. وهذا هو
السبب الذي يجعلهم جميعا لا يفهمون العقل الحداثي
إلا باعتباره قوة قمعية قهرية، فيختلفون حوله ما
بين مدافع عنه، وهو يعتقد بذلك أنه يدافع عن
الحداثة برمتها، وما بين ناقد رافض له، فيضطر بذلك
إلى رفض الحداثة في مجملها.
27- Jean
Grondin : « Rationalité et agir communicationnel
chez HABERMAS», Revues : Critiques, n°464, 465,
1986. p : 43.
جه نفسه. الوجه
يختبئ، ينستر. لذا يكون وجود القناع ضرورة حياتية
أكثر من كونه ترفاً رمزياً هاذياً. وحده القناع
ليس رمزاً! بل انتهاك طروب لاعتياد الوجه وجهاً
فحسب!!
-------------------------------------- |