|
هذه الورقة محاولة ثانية، من أجل مقال في
الترجمة يروم الاقتراب من متاهات هذه الأخيرة. أما منطلق هذه
المحاولة، هو الدراسة التي صدرت للأستاذ عبد السلام بنعبد العالي
في الكتاب 40 من سلسلة شراع بعنوان "في الترجمة". هذا مع الإشارة
إلى أن بؤرة التأمل ستكون هي الدراسة المتضمنة في الكتاب، والتي
وسمها الأستاذ بـ"الترجمة والميتافيزيقا". وهي الدراسة التي
خلصنا معها إلى ملاحظة أن عنوان هذا الكتاب لم يأت كاملا، إذ كان
بالإمكان أن يأخذ صيغة: "في الترجمة والميتافيزيقا".
نستفيد منذ البداية مع هذه الدراسة إلى أن
طرق مسألة الترجمة هو في الآن نفسه طرق لمسألة الكتابة والمعنى
ولمسألة النص وتأويله.
أما التفكير في الترجمة كقضية، فهو تفكير
يفتح الطريق لتأمل قضايا تنتمي في مجملها إلى المجال الذي
اعتبرته الفلسفة مجالها الخاص كالوحدة والتعدد، الهوية
والاختلاف، الأصل والنسخة. وهي كلها أزواج تتكلم بوصفها أزواجا
متعارضة، لغة الميتافيزيقا.
وبما أن لكل دراسة مسألتها أوسؤالها، فإن ما
يمكن ملاحظته مع دراسة مسألتها أو سؤالها، فإن ما يمكن ملاحظته
مع دراسة الأستاذ عبد السلام بنعبد العالي، فيما يتعلق بقضية
الترجمة، هو أنه يطرق كلاما في الترجمة وهو منشغل بمسألة مجاوزة
الميتافيزيقا.
كان سؤال الدراسة الاستراتيجي هو: هل الترجمة
عملية ممكنة؟ وهو سؤال كذلك، باعتباره يشق طريق التفكير بصدد
إمكان تحقق الفعل الترجمي، والفرائض الأخلاقية لذلك التحقق. فإن
الجواب على الشكل الآتي:
إذا ما طرحنا السؤال ذاته على
الميتافيزيقا، سيكون الجواب بالإيجاب. يعني أنه إذا ما طرحنا
سؤال إمكان أو لا إمكان قيام الفعل الترجمي على عباقرة الفكر
الفلسفي من أفلاطون إلى هيجل، مرورا بديكارت ولايبنتز وكانط..،
سيكون أمر الترجمة ممكنا مع الاحتفاظ بشرط واحد، وهو أن يكون
المهم في الكتابة هو المعنى. وبهذا نلاحظ كيف أن السؤال الذي
أريد به أن نطرق مسألة إمكان الترجمة، قد جرنا إلى التفكير في
مسألتنا، في علاقة بتصور معين للكتابة يفهم المعنى بوصفه مدركا
متعاليا قبليا، أو جوهرا "خارج" اللغة والكتابة، ومن ثمة، فهذا
المدرك قد تتحقق ترجمته، بمعنى نقله من رأس إلى رأس آخر، بالكلام
وفي الكلام، أو نقله من دال إلى آخر أو من نص إلى نص آخر.
نستخلص مما تقدم، أن الحديث عن الترجمة جاء
مرتبطا، ولا يمكنه إلا أن يكون كذلك، بالحديث عن الكتابة وما
تقوم عليه من كيفية لتصور المعنى وماهيته. وأن إمكان تحقق
الترجمة أو عدم إمكانها يتوقف على نوعية الأرض التي ننتمي إليها
روحيا ونقيم فيها فكريا، إنها الأرض التي يمتد فضاءها الروحي من
أفلاطون إلى هيجل؛ الأرض التي نمتح من تربتها هواءنا النقي الذي
نتنفسه ونحن نفكر ونقيم علاقة بالموجود. هذه الأرض أين نقيم هي
التي منحت التربة التي استنبتت فيها كيفيتنا في التفكير وفهمنا
لماهية اللغة ومفهومنا للكتابة، ومنها كيف نفهم الدليل اللساني
والنص والتأويل والترجمة…الخ. وبالجملة نقول، هذه الأرض أين نقيم
فكريا وروحيا هي المسماة ميتافيزيقا، نموذجها الأول أفلاطون، أما
الاسم الذي استنفدت معه إمكاناتها أو مشروعها هو هيجل. هذا ما
يفسر اعتبار هيجل هو آخر اسم للميتافيزيقيين بالنسبة لمن يحدد
الميتافيزيقا بهذا التصور كهيدجر مثلا. لكن من دون أن نفهم أن
بعد هيجل لا وجود للميتافيزيقا. إنما المقصود بالنهاية مع هيجل
هنا هو أن مرحلة من تاريخ الفلسفة بوضعها مرحلة من تاريخ الوجود
قد أعلنت عن استنفاد إمكاناتها ليتحول معها التاريخ الكوني إلى
عصر التقنية(1).
يقول هيدجر: "الميتافيزيقا، وهي تمكن من
تأويل محدد للموجود، ومن فهم محدد للحقيقة، تكون بذلك قد حددت
المبدأ الذي ستتشكل بناء عليه صورة عصر من العصور. إذ أن هذا
المبدأ هو الذي سيحكم مختلف الظواهر التي تميز العصر". دروب
موصدة، ص99.
الميتافيزيقا هنا ليست مبحثا من مباحث
الفلسفة، إنها أكثر من كونها كذلك، إن معناها القوي يجعلها
تتماها مع تاريخ الفلسفة ولحظات تجلي حقيقة الوجود في صورة عصور
أو عوالم، كان آخرها هو العصر الذي يحكمنا روحيا أو ميتافيزيقيا
اليوم، إنه عصر التقنية. أو لم نعد الآن نتحدث عن الترجمة
التقنية.
مع هذه الميتافيزيقا، الفعل الترجمي ممكن.
وهو كذلك، ضمن طقوس لا بد من أن يلتزم بها الترجمان فرائض لقيام
عمله ويستقيم. وأهم هذه الفرائض: أن نترجم، بمعنى أن ننتج نصا
يحاكي الأصل.
وإذا ما تأملنا الشرط الملزم لقيام الفعل
الترجمي سنلفي أن الشرط عينه لقيام فعل الكتابة. ذلك لأن
العمليتين معا تحضر سلطة "المعنى الأصلي" ومنطقه، ليمحي، بموجب
ذلك، اسم الكاتب الذي هو عينه ترجمان أي ناقل هذا المعنى بحفظ
وأمانة وناسخ له.
من هنا فسيان أن تقول الترجمان أو الكاتب، ما
دام المهم بالنسبة لما هو المعنى كما يتراءى للنفس المفكرة.
وعليه، أفلا ترى معي أن في هذا الكلام صدى
لظلال الدرس الأفلاطوني حول الكتابة والمعنى؟ لقد علمنا أفلاطون
أن النفس تفكر، وما على الكتابة إلا أن تأتي لاحقا لكي تعمل على
نقل المدرك الذي تفكر فيه النفس من أجل كتابته بمعنى تحبيره.
وعلى هذا الأساس تنتج الترجمة أو الكتابة "نسخة أيقونة"، بينها
وبين "صوت النفس المفكرة" مسافة ضيقة جدا. يقول النموذج الأول
للميتافيزيقا: "(…) والآن، ففي وسعك أن تجد ما يطابق هذه الأقسام
الأربعة في الأحوال الذهنية الأربعة الآتية: فالعقل أرفعها،
والفهم هو التالي له، والاعتقاد هو الثالث، والتخيل هو الأخير.
وفي وسعك أن ترتب هذه الأحوال، بحيث تعزو إلى كل منها درجة من
الوضوح واليقين وتتناسب مع مقدار الحقيقة التي تملكها موضوعاتها"
[الجمهورية، ت.فؤاد زكريا، ص243].
يفيد هذا القول أن "المعنى" حقيقة مرتبطة
بالنفس وأحوالها أي بالعقل أو الخاطر، ويكون بلغة الجاحظ، محجوبا
ومستورا، في مكان ما، ينتظر من يكشف القناع ويهتك الحجب "متى
يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله" = [البيان والتبيين،
ج1، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، 1986، ص42 وما بعدها].
على الأرض الأفلاطونية، وما تم وضعه من أسس
للفكر وللعلاقة بالموجود ولفهم الحقيقة، غدت مهمة الترجمة أو
الكتابة، تفترض وجود "نص أصل"، تريد أن تتشبه به، تروم استنساخه
وتثبيته في رسم الحروف، مع احتراس شديد من أجل الشفافية والأمانة
في النقل ما أمكن. وصيغة "ما أمكن" تفيد أن عملية النقل، سميها
ما شئت الآن ترجمة أو كتابة، كيف ما كانت طهارتها لا بد وأن
تتضمن هامشا من الخيانة.
ونحن نقيم على أرض الميتافيزيقا/الأفلاطونية،
يكون الترجمان أمام مستويين من الكتابة: كتابة الحقيقة كما هي
مرتسمة في النفس، وكتابة اليد بوصفها محاكاة تتحقق على الورق
تحبيرا. وكأن هناك "مدلولا متعاليا" يتهوى مع نفسه، حاضرا أمام
ذاته جوهرا ماثلا كحقيق متجانسة خارج كل مغايرة أو تباعد.
وبالجملة، يكون الترجمان قائما بين أصل ونسخة تريد أن تكون
الشبيه الشديد الشبه إلى حدود التماهي مع الأصل.
أرض الميتافيزيقا التي نتنفس هواءها ونحن
نفكر في أمر الترجمة، كما نتحدث عن الكتابة وشرائط تحققها، تجعل
من كلامنا كلام الهوية؛ هذه الهوية التي تتجسد في شكل "وعي
بالذات" أو في صورة "مدلول متعال-قبلي" يحتجب في جهة ما خلف
اللغة أو الخطاب أو كلام النص. مع كلام الهوية هذا، ثم اختزال
ماهية اللغة إلى مجرد وسيلة لحصر هذا المدلول الباطني، والقبض
عليه من أجل ترجمته بمعنى نقله كتابة وبالكتابة. وهو الاختزال
عينه الذي جعلنا نعتقد في أن الدليل اللساني هو مجرد مناسبة
لحضور المعنى، وليس فضاءا تفاضليا محكوما بلعبة التأويلات.
ومع ذلك، فعلى الرغم من كل محاولة لحصر هذا
المعنى الأصل من أجل نقله أي ترجمته وكتابته، سوف لا تنتهي
مهمتنا سوى في إنتاج نسخة تتأرجح بين بين، بين الجيد وما يظهر
كذلك. هذا ما جعل الميتافيزيقا تقيم الفعل الترجمي بلغة الجيد
والردئ أو بالحديث عنه بلغة الأمانة أو الخيانة. وفي جميع
الأحوال، يكون هذا اعترافا ضمنيا بصعوبة المهمة، مهمة الترجمان،
ويجعل استئناف طرح السؤال متجددا: في إطار أية حدود يكون الفعل
الترجمي ممكنا؟
فنقول، لقد تبين لنا أنه ممكن وغير ممكن في
الآن نفسه: هو ممكن، إذا ما اعتبرنا، مع الميتافيزيقا، أن المهم
في الكتابة هو المعنى ومنطقه. كما أنه غير ممكن إذا ما اعتبرنا
"المقاومة" التي تحول دون تحقق فعل الترجمة أو الكتابة كما
يفهمنا إياهما الدرس الفلسفي. ذلك لأن هذا الدرس يحسب الحساب، كل
الحساب للمعنى أو للوجوس، ومن بعد يفكر في "الملحقات" كاللغة
والكتابة؛ ومن ثمة يغدو كل منهما (= اللغة والكتابة) سوى وسيلة
للنقل والتثبيت والبيان.
غير أنه إذا ما أنصتنا إلى الثورة الفرويدية
في حديثها عن "صوت النفس" و"المقاومة" التي يعيشها الأنا الذي
يريد لمبدأ اللذة أن يمحي ليترك المكان لمبدأ الواقع أن يكون في
الواجهة؛ أو إذا ما استندنا إلى الثورة ذاتها، يمكن أن نتساءل
كيف تكون الترجمة، وكذلك الكتابة، ممكنتين مع لغة المكبوت وفي ظل
هذه المقاومة؟
هذا ما جعل ج.دريدا يذهب إلى القول بأن الفكر
الذي يمنح الوعي والحضور، بوصفهما "أوسيا"، امتيازا، يكون قد
أعلن عن إقامته ومأواه داخل الهواء الذي تتنفسه الميتافيزيقا(2).
والمفكر نفسه، يستند على فرويد لكي يخلص إلى أن ليس هناك "ذات"
كاتبة تتمتع بكامل الوعي متفردة بسيادتها؛ ذلك أن "ذات" الكاتب
في الواقع، هي نظام من العلاقات، منها ما يعود إلى اللاشعور
وآلياته أو إلى إطار علائقي بالآخرين؛ كما أن علاقة "الآنا" بما
يقرره هي علاقة إرجاء وتأجيل إلى أن تكون الظروف مناسبة للقول؛(3)
ومن ثمة تغدو "الأعراض" فضاءا مكثفا للمعاني، وليست دلائل لمعنى
أصلي(4)، لذلك يأتي المفهوم ملتقى لأحكام.
استنادا على ما تقدم، إذا ما أخذنا
الدلائل اللسانية بنفس المآخذ لدى دريدا وهو يستند على تأويل
فرويد للأعراض، فكيف تكون الترجمة، بوصفها نقلا ونسخة أمينة،
ممكنة إذن؟ خاصة وأن كل متكلم منا لا يتكلم لغة واحدة موحدة؛
بقدرما "يعيش لغات في اللغة"، ذلك أنه على الأقل يعيش بين بين،
بين لغة الرغبة ولغة القانون، بين لغة الأب ولغة الأم، هذا فضلا
عن كون اللغة عموما هي التي تفكر من خلالنا وتتكلم "بلساننا"،
وإلا من منا لا يكرر العبارات السكوكة؟ هذا ما جعل الأستاذ بنبعد
العالي يقول "(…) فكل نص، حتى وإن ظل غير مترجم، فهو ترجمة،
وليست الترجمة عملا ثانويا يأتي ثانية، بعد كتابة النص" [في
الترجمة، ص16].
***
أما إن أردنا أن نفكر بشكل أصيل في الترجمة،
وفي ارتباط بها، في الكتابة واللغة، فلا بد من مجاوزة
الميتافيزيقا باعتبارها تجربة في تاريخ الوجود تأسس معها نمطا
واحدا في التفكير، ساد بوصفه مجرد "لوجيا" أي آليات منطقية
للتجريد والتحليل والتركيب والإحصاء والحصر. وهو نمط التفكير
نفسه الذي تحول لحظة نهاية الميتافيزيقا إلى فكر كوني، يقوم على
إشكالية تمثل الموجود وموضعته(5)، واختزلت معه ماهية
اللغة إلى وسيلة لتنفيذ آليات العقل هاته، وللإفصاح عما يدور
بخلد النفس وحصره(6). لذلك اعتبر التصور والمفهوم هما
أساس الفكر وما يحوله إلى "موضوع" للتأمل.
مع هذه التجربة في التفكير أصبحت قضية
الفلسفة الأساس، هي المعنى ومنطقه، كيف يتعين حصره أو حده والقبض
عليه بكلتا اليدين من دون ما خيانة لوضوحه ووهجه؛ كل هذا من أجل
ترجمته بمعنى نقله وتحبيره كتابة.
هذه التجربة في التفكير إذن، هي ما يتعين
مجاوزتها من أجل التفكير في الفكر بشكل أصيل. والمجاوزة تعني
هنا، في العمق، أن نفكر من "خارج" "المنطق" الذي ينظر إلى الفكر
على أنه تمثل للموجود في وجوده. لكن من دون أن يذهب بنا الفهم
إلى أننا ضد المنطق لصالح اللامنطق. وإنما نفكر في ماهية اللوجوس
كما تجلت للفكر في عصره الأول مع الإغريق الأوائل. أي مع مفكري
الوجود. ذلك أنه مع هؤلاء، لم يحدث أن تحددت ماهية الفكر واللغة
والكتابة من داخل نظرية المنطق والنحو. ومعهم أيضا لا تأتي
الحقيقة صوب الإنسان إلا بالقدر الذي يحصل به نور الوجود انفتاحا
وإشراقة. لقد علمتنا الفلسفة أن المنطق هو على الفكر الحق
والأساس الوحيد للتفلسف.
الوجود والحالة هذه، هو قدر النور والانفتاح
الذي ينادي الإنسان ليأتي كلامه جوابا، وموقفه استجابة لكلام
اللغة بوصفها المأوى/أين تتحدد الإقامة في رحاب الحقيقة. أما
النور هنا فليس وضوح الرؤية أو تميز رؤية التمثل كما تفهمهما
الديكارتية. النور هو ما يفتح الطريق ويحرر المسلك للفكر لكي
يتساءل ويتكلم(7).
وفي الختم، نقول مع هيدجر، إن من يختزل فعل
الكلام إلى مجرد تلفظ يعبر عن صوت النفس، واللغة إلى مجرد نظام
من العلامات، وينظر إلى المتكلم باعتباره حيوانا ناطقا يعتد
بقدراته المنطقية وبنيته الذهنية المقولية ذات البناء المنطقي في
إنتاج القول، يكون تفكيره محكوما بظلال الأفلاطونية، أي
بالميتافيزيقا التي حدث معها قطع جذور الإنسان من التربة-الأم أو
من بيت الإقامة الأصيل؛ ذلك الذي يهبنا القدرة على الكلام في
أبلغ صوره وأبهاها أي شعرا. الفكر بموجب ذلك ليس مسألة سيكولوجية
أو ذاتية وإنما هي شيئا آخر. إنها مسألة هذا الذي تتكشف حقيقته
من دون أن يعلن عن ذاته كينبوع أصل. ذلك لأن ماهيته تتكشف فيما
هي تنحجب، لذلك سماها اليونان الأوائل = "الأليثيا".
يقودنا هذا التأويل إلى القول، إن مجاوزة
كيفية التفكير المحكومة بالأفلاطونية، تلك التي تتجلى ظلالها في
تناولنا للغة وتعريفنا للإنسان ولكلامه، هي عينها مجاوزة مفهوم
الترجمة والكتابة بوصفه مجرد نقل للفكرة من رأس إلى رأس آخر، أو
نقل مضامين فكرية جاهزة مدركة من نظام لغوي إلى آخر. مثل هذا
التفكير ينسى أن عملية الترجمة لا تقدم نفسها إلا تأويلا وفهما؛
وإلا كيف يمكن أن ننصت من دون أن نترجم، وأن نترجم من دون أن
نفهم، والفهم عملية تأويلية؟ هذا وحتى إن تكلم النص المراد
ترجمته في لغتنا الأم(8).
المجاوزة إذن هي ضد الفكر الذي أسس بيت
الإقامة عالما روحيا، يجد الإنسان نفسه فيه، تتقادفه النسخ. لذلك
جاءت لغة الميتافيزيقا لغة شمسية، تتحدث عن الحقيقة من خلال
مدارج من التجلي والوضوح، قياسا على درجة وضوح ضوء القمر والنجم
والجرم أو الشمس والشهب اللامعة. كذلك تتحدث الميتافيزيقا عن
وضوح نسخ ترجمات النص الواحد. إذ أن كل محاولة للترجمة أو
للتأويل تقاس بمدى قربها أو بعدها عن نور "الأيديا"-النور الأصل.
ولكن هل يمكن أن تقبض على ما يأتي كالشهب اللامعة من أجل ترجمته؟
وعليه، فمن "خارج" الميتافيزيقا، نقول، إن
الإنسان في صميم ماهيته مترجم فيما هو يفكر، بمعنى ينصت مستجيبا
لكلام اللغة باعتبارها مقطن حقيقة الوجود وماهية الإنسان في الآن
نفسه؛ الحقيقة التي تأتي صوبنا كانكشاف وانفتاح. هذا ما يتعين أن
نفكر فيه من أجل المجاوزة، مجاوزة الأرض التي انتهت بالفكر إلى
تقنية وبالإنسان إلى الإقامة في عالم تقني.
ولكن، قد يتساءل معي صاحبي، نعم، نعمل من أجل
المجاوزة، لكن، المجاوزة إلى أين؟ هل إلى هاوية؟ أم إلى أرض
معينة؟ أقول له: سوف لا نتعلم فعل التفكير بالفعل، إلا بتعلم
نسيان ما تعلمناه ماهية للفكر مع النظرية التقليدية للفكر.
هوامش:
1 -
Heidegger (M), Questions
IV. nrf Gallimard, 1976, p.118
2 -
Derrida (J),
marges de la philosophie,
ed. de Minuit, 1972,
p.17.
3 -
Freud (S),
nouvelles conférences sur la psychanalyse,
idées - Gallimard,
1936, p.101-105.
4 -
Ibid,
le rêve et son interprétation,
idées - Gallimard, 1925,
p.53.
5 -
Heidegger (M),
Sérenité, in QIII,
nrf, Gallimard, 1966, p.190.
6 -
ibid, p.209.
7 -
Questions IV,
ed.
Gallimard, 1976, p.127.
8 -
Questions IV,
ed.
Gallimard, 1976, p.127.
------------------------------------------------
RETOUR
|