|
1-
دور الثقافة في تكوين النماذج البشرية:
يمكن تعريف الثقافة باعتبارها نشاطا يروم "ترويض"
الكائن الإنساني وإخضاعه لعملية اصطفاء. كعملية
ترويض تسعى الثقافة إلى تمكين الإنسان من السيطرة
على "قواه الارتكاسية" عبر تفعيل ردود فعلها. أمّا
في جانبها الاصطفائي فهي تسعى إلى تكوين الإنسان
القوي والفاعل والحرّ ، أي تكوين الإنسان القادر
على الوعد والوفاء بالوعد.
لترويض الإنسان واصطفائه توظف الثقافة عدة وسائل
وإجراءات، نذكر من أهمّها:
أ-
تقوية وعي الكائن وشعوره عن طريق مدّه بالطاقة
الضرورية لاشتغاله وتجدّده، وكذا للحفاظ على سيولة
الوعي ويقظته وطراوته، ويتم استمداد تلك الطاقة من
اللاشعور. بالإضافة إلى ذلك، تلتجئ الثقافة لتقوية
وعي أفرادها إلى تزويدهم بملكتين ضروريتين هما:
ملكة النسيان التي هي بمثابة جهاز تلطيف يسهر على
سلامة الصحة النفسية للكائن الإنساني. ثم ملكة
الذاكرة، بما هي "ذاكرة واعدة بالمستقبل" وليست
"ذاكرة للانتقام لجروح الماضي". إنّها ذاكرة تمدّ
الإنسان بالخبرات والتجارب الضرورية لاستشراف
المستقبل. إنها بكلمة واحدة، "ذاكرة الإرادة
والوعد".
ب-
الإجراء الثاني والأساسي الذي توظفه الثقافة بهدف
تكوين "الإنسان الحر القادر على الوعد"، هو
العدالة. آلية الثقافة لتحقيق العدالة هي "العقاب"
Le châtiment.
ويعني العقاب هنا – في سياق هذا المفهوم التكويني
والتنشيئي للثقافة – توظيف الألم واستعماله
"كعملة للتبادل والمقايضة"، بحيث يمكن صياغة
"معادلة العقاب" هذه على النحو التالي:
« Dommage causé=Douleur subie ».
فالإخلال بوعد مقطوع، أو إحداث ضرر ما للجماعة،
يقتضي تسديده بواسطة الألم. وهذا يعني أنّ "مبدأ
الدّين"
principe
de la dette
يوجد في أساس العلاقة الاجتماعية، إذ تتحدّد
العلاقات بين الناس داخل المجتمع باعتبارها "علاقة
الدائن بالمدين"
Rapport d’un créancier et d’un débiteur.
إذن فعلاقة الدائن بالمدين تعبّر عن نشاط الثقافة
في عملها الترويضي والاصطفائي، وهي صورة للعلاقة
الأوّلية والابتدائية والتي توجد في أساس كلّ
تنظيم اجتماعي. وتعني هذه العلاقة بأنّ الإنسان
يدفع ويسدّد بألمه ثمن الضرر أو الخسارة التي قد
يلحقها بالجماعة أو المجتمع، وذلك لأنّه مادام
"كائنا حرّا"، فهو مسؤول عن قواه الارتكاسية.
الثقافة إذن كعدالة، تسعى إلى تكوين الإنسان
المسؤول عن "دينه"sa
dette
اتجاه الآخرين.
وكخلاصة للقول، فإنّ الدور المبدئي للثقافة – بما
هي نشاط نوعي تكويني للإنسان- هو عبارة عن عملية
ترويض واططفاء. إنّ الوسيلة التي تشغّلها الثقافة
لتحقيق ذلك هي "العدالة" بما هي "معادلة العقاب"،
و "علاقة الدّين"، و"الإنسان المسؤول". إنّ الهدف
الأساسي والأسمى الذي يسعى إليه النشاط الثقافي هو
تكوين الإنسان: الفاعل، الحر، المستقل، القوي،
القادر على الوعد والوفاء بالوعد.
الثقافة إذن كنشاط نوعي تكويني للإنسان تحقّق
العدالة عن طريق ترويض القوى الارتكاسية داخل
الإنسان بجعله مسؤولا عنها. الثقافة بهذا المعنى
لا تولّد الضغينة أو الانتقام، ولا تنتج الوعي
الشقي. وهو الذي يعني أنّ الدور المبدئي للثقافة –
التي تلتجئ إلى العقاب كوسيلة لتحقيق العدالة –
يتمثّل أساسا في تحرير الإنسان من الحقد والضغينة
Le ressentiment
، وتحريره من الوعي الشقي، أو
من الإحساس بالذنب
La conscience malheureuse.
ليس الهدف إذن من "العقاب" – الذي تستعمله الثقافة
لتحقيق العدالة – هو أن توقظ لدى الجاني أو المدين
"الإحساس بالغلط أو الذنب". كما أنّ هذا العقاب لا
يولّد لدى الجاني"الحقد" أو "روح الانتقام". بل
إنّ وظيفة هذا العقاب –منظورا إليه من خلال وعبر
القرون الطويلة التي استغرقها تكوّن الكائن
كإنسان- هو الذي أخّر عملية تكوّن الإحساس بالذنب
والشعور بالمهانة والرغبة في الانتقام. أي إنه هو
الذي كبح جماح القوى الارتكاسية وأخّر عملية
سيطرتها على الإنسان، وبالتالي ظهور ما سنسمّيه ب
"النموذج الارتكاسي". هكذا فالثقافة كعدالة تعمل
على تكوين الإنسان الفاعل، الحرّ، القوي، بينما
الثقافة كتنميط وكضغينة ووعي شقي، فهي تعمل على
فرز الكائن الانفعالي، أي النموذج الارتكاسي.
إنّ الثقافة خلال التاريخ، وبعد أن خضعت لتأثير
مؤسسات الدولة والكنيسة والمذاهب والإيديولوجيات،
تمّ تحريفها عن دورها المبدئي التحريري، فأصبحت في
خدمة القوى الارتكاسية بعد أن مكّنتها من الهيمنة
على الإنسان.
وعلى العموم يمكن التمييز بين ثقافتين:
ثقافة الانغلاق وثقافة الانفتاح. بحيث إن نظرة
الأنا إلى الآخر تختلف باختلاف طبيعة تلك الثقافة
وطريقة التعامل معه. إلا أنه بصفة عامة يمكن القول
بأن المنظورات تتراوح في هذا الصدد بين موقفين هما
على طرفي نقيض وتعارض: فإما انغلاق تام وإما
انفتاح أقصى. فالمنغلق ينظر إلى غيره من خلال
هويته الدينية، أو القومية، أو الثقافية، أو
الإثنية …وهو يحكم عليه أو بالأحرى يحاكمه على هذا
الأساس. فهو يعترف به ويتماهى معه كلما كانت هويته
أقرب إلى هويته، وإلا فهو ينبذه إلى "خارج"
باعتباره يمثّل "المغايرة الجذرية" أو "الاختلاف
الوحشي". إذن فالمنغلق على ذاته ومعتقده ينفي
الآخر ولا يعترف له بحق في أن يكون مختلفا عنه، إذ
الاختلاف في نظره هو ضد الهوية ونقيضها، لأنه هو
ما يتهددها ويعمل على استتباعها أو نفيها. أما
المنفتح فإنه ينظر إلى غيره أو آخره من ذوي
الهويات الأخرى نظرة مغايرة، فيتقبله ويرى فيه
مكمّلا أو مماثلا له.
بل قد يتماهى معه أو يتوحد به؛ وذلك بصرف النظر عن
فوارق اللغة، أو العرق، أو الدين، أو الثقافة، أو
أي انتماء آخر. ذلك لأن مفهوم الأنا أو الآخر من
زاوية هذا المنظور المنفتح، لا تستنفده هوية
معينة، ولا تستهلك كينونته صفة خاصة، ولا ينطق
بحقيقته
اسم
واحد أو رمز واحد، بل هو يملك هوية مركبة، لها
وجوه مختلفة وأبعاد متعددة.
ولا يخلو أي مجتمع أو ثقافة من نموذج من هذين
النموذجين، على أن النموذج المنغلق والذي سننعته
بالنموذج الارتكاسي
le
modèle réactif
، هو النموذج المهيمن والغالب؛ بينما المنفتح
والذي سنلقّبه بالنموذج الفاعلle
modèle actif
يشكّل ندرة أو أقلية، ومثالا يندرج ضمن ما ينبغي
أن يكون عليه واقع الإنسان مستقبلا أكثر ممّا يشير
إلى الوضع السائد.
يقوم المسعى التيبولوجي-الجنيالوجي بعملية تشخيص
أعراض النصوص والخطابات والمواقف،
بإرجاعها إلى القوى التي تصدر عنها وتستعملها
وتستثمرها، وذلك انطلاقا من التمييز بين القوى
الفاعلة والقوى الارتكاسية، حيث يتم ترتيب تلك
القوى وتنظيمها في نماذج تمثيلية، والصعود بتلك
النماذج إلى أصولها الجنيالوجية أي إلى شروط
ظهورها وطبيعة إرادة القوة التي صدرت عنها. فيتم
التمييز بين نمطين من إرادة القوة أو نظرتين إلى
الذات والآخر والحقيقة: فإما انغلاق على الأنا
واستبعاد لوجود الآخر، وإما انفتاح على الغير
واعتراف له بحق وقسط من الوجود. إما الاكتفاء
الذاتي واعتبار الذات مصدر كل معرفة وعلم وحقيقة،
وإما التفاعل الإيجابي مع الغير بالاقتباس عنه
والإفادة منه تجربة وفكرا ومعرفة.
وتوخيا للإيضاح سنبدأ أولا بالتعرف على النموذج
الارتكاسي من حيث شروط نشأته وتكوّنه، وطبيعة
بنيته وتركيبه، وكذا سماته السيكلوجية والأخلاقية
والجمالية، لكي ننتهي إلى المنطق المتحكّم في فكره
واستدلالاته والفلسفة التي يصدر عنها في تصوره
للأنا والآخر والحياة. ولا نخفي على أننا في هذا
التحليل نستلهم الفلسفة النيتشوية وخاصة في جانبها
المتعلق ب "سيكلوجيا الأعماق" ومنهجها الجنيالوجي
الذي بلوره نيتشه في مؤلفه"جنيالوجيا الأخلاق"
la généalogie
de la morale.
وفي الحقيقة فإن استلهام "مفكري الاختلاف" أمثال
نيتشه وهيدغر ودولوز وبلونشو وفوكو ودريدا وغيرهم
، يقتضي كما يرى الخطيبي ليس الانفتاح على أساليب
تفكيرهم فحسب، بل يجب أيضا توظيف استراتيجياتهم
وآلتهم الحربية ووضعها في خدمة الصراع الفكري الذي
نخوضه
[1].
2- تحليل النموذج الارتكاسي:
إن
ما يميز الإنسان في نظر نيتشه عن غيره من الكائنات
الحية الأخرى، هو أنه الكائن الوحيد الذي قد تنقلب
فيه الحياة ضد نفسها. فهو الوحيد الذي له قابلية
واستعداد لكي يصير ارتكاسيا، فيقاوم الحياة ويعلن
الحرب على شروطها ويعمل على استئصال شأفة الرغبة
فيها. هذا النزوع الارتكاسي يتمثل إذن في تبخيس
الحياة. وهذه النزعة تبقى استعدادا لدى الإنسان
لأنه كائن رغبة وإرادة، رغبته عوز أبدي وإرادته لا
محدودة ولا نهائية مما يجعله يبتعد باستمرار عن
ذاته. وفي هذا الابتعاد عن الذات توجد إمكانية
الانحراف أو الانحلال
la
dégéneressence
والتي في مداها الأقصى قد تتخذ شكل "إرادة
الإرادة"، أي شكل إرادة عدمية ورغبة في الموت
[2].
فلنقل إذن بأن هذه القابلية الارتكاسية تفيد بأن
الإنسان تحذوه قوى ارتكاسية
des
forces réactives
قد تجد مصدرها في اللغة
أو
في الاجتماع أو الوعي أو الذاكرة...فالذاكرة مثلا
هي قوة فاعلة حينما تكون ذاكرة للمستقبل، وحينما
تكون مستودعا احتياطيا يمدّنا بالطاقة الضرورية
للخلق
والابتكار والتجديد. لكنها قد تصير قوة ارتكاسية
حينما تغدو نكوصية مشدودة إلى الماضي حيث تغلق
نوافذها التي تطل بها على الحاضر والمستقبل. الوعي
أيضا يمكن أن يصير ارتكاسيا حينما يصبح وعيا شقيا
فيكون مصدرا للألم وللكراهية والحقد
[3].
كما أنه في أصل الحياة داخل المجتمع توجد إرادة
ارتكاسية
une
volonté réactive
تتمثل في "هستيريا الخوف من الآخر"
La xénophobie
التي تسري داخل كل فرد من أفراد المجتمع. وهذا
الخوف هو الذي يدفع بالأفراد باتجاه التشكّل في
قطيع
l a
grégaritè
كحصانة ضد الطارئ، والمفاجئ، والمختلف، والغريب .
ويحاول المجتمع تصعيد ذلك الخوف عبر تقوية الإحساس
بالأمن والاستقرار والوحدة، وعبر تكوين حسّ مشترك
وقيم مشتركة توحي بالهوية الواحدة المتجانسة. وهذا
ما تقوم به اللغة بتواطؤ مع النحو والمنطق
والأخلاق - نيتشه يتحدث عن "المرض النشوئي للغة"
la
maladie native du langage
من حيث أنها تحمل في أعماق سننها الخوف والعجز
والضغينة. ويتحدث عن "النحو""كميتافيزيقا للشعب"
[4].
كما يتحدث عن "المفهوم "كمقبرة للحدوس الحسّية"
le
sépulcre des intuitions.
وإذا كان الإنسان له قابلية لأن يصير ارتكاسيا،
ففي ظل أية شروط وظروف يصير بالفعل ارتكاسيا ؟ كيف
تنشأ إمكانية ضياع الذات والانفصال عن الحياة ؟ أو
بعبارة أخرى كيف تنتصر القوى الارتكاسية على القوى
الفاعلة فتشكّل نموذجا ارتكاسيا متحكّما في السلوك
ومحدّدا للفكر، بل ومحرّكا للتاريخ الحديث
والمعاصر؟[5].
في التيبولوجية النيتشوية يتم التمييز بين نمطين
من إرادة القوة: الإرادة الإنكارية والإرادة
التوكيدية. الأولى تقوم على تبخيس الحياة ونفيها
والثانية تقوم على تثمين الحياة وتوكيدها. الأولى
صادرة عن حياة مريضة أصابها الوهن والضعف والعياء
فلم تعد بقادرة على توكيد الحياة لأنها مليئة
بالمفارقات والتناقضات، ومصدرا للشر والألم، ولهذا
أصبحت خالية من القيمة ولم تعد تستحق أن تعاش. أما
الإرادة الثانية فهي صادرة عن حياة قوية وسليمة
وتتمتع بصحة جيدة، ولهذا فهي منفتحة على الحياة
وتسعى إلى توكيدها بكل اختلافاتها وتناقضاتها،
وبكل آلامها وأفراحها دون نقص وبدون أدنى شعور
بالدونية والخطيئة. الإرادة الأولى هي إرادة
الضعيف والإرادة الثانية هي إرادة القوي، على ألا
يفهم هنا الضعف والقوة بالمعنى الاجتماعي أو
السياسي أو البيولوجي، بل بمعناهما النيتشوي والذي
يتحدد بنوع العلاقة التي يقيمها الكائن مع الحياة
والوجود، حيث نفي الوجود وإنكار الحياة هو ضعف،
وتوكيد هما والانفتاح عليهما يعدّ قوة. أو بالمعنى
الهيدغري المتمثّل في مدى قدرة الكائن على تحقيق
توافق أو مصالحة بين ماهية الكائن وقدر الوجود
[6].
فمن يحقق ذلك التوافق فهو قوي وبالتالي كائن فاعل،
ومن لا يستطيع ذلك فهو كائن ارتكاسي منغلق على
الوجود ومضاد للحياة
[7].
تصير إرادة الانسان ارتكاسية حينما يهيمن على
نشاطها عمل السلب والنفي والإنكار[8].
ويهيمن السلب على نشاط الكائن حينما تصاب حياته
بالوهن فيعجز عن توكيد ذاته في الوجود، فيكون في
حاجة إلى التعلق بأوهام تقدّم ذاتها في صورة قيم
ومثل عليا مفارقة، يتخذها كأقنعة وكمبررات يعلن
باسمها "الجهاد" ضد الحياة، والحرب ضد الوجود
[9].
إن الذي ينكر الحياة ويبخسها هو من تكون حياته
منحلّة ومنحطة، ومن ثم فهاجسه هو الحفاظ على
نموذجه بجعل القوى الارتكاسية تنتصر فيه على القوى
الفاعلة. وتعثر القوى الارتكاسية على حليفها
لتحقيق ذلك الانتصار فيما يسميه نيتشه "بالمثل
الأعلى الزهدي"
idéal
ascétique
l’
أو "إرادة العدم" . وليست هذه الأخيرة سوى القوة
المنتجة والمنشّطة لجميع القيم والمثل العليا.
سلاحها في ذلك هو جعل الحياة تخضع لهيمنة القوى
الارتكاسية وذلك عبر توظيف آلية "فصل القوى
الحيوية الفاعلة عما تستطيعه"
[10].
كل قوة فاعلة يتم فصلها عما تستطيعه، تحرم من شروط
ممارستها لنشاطها الحر، فتصير قوة ارتكاسية.
بتعبير آخر، كل قوة يتم حرمانها من الشروط التي
تمكنها من إشباع حاجاتها ورغباتها، تصير تحت ضغط
الحرمان وأيضا تحت تأثير الاستيهام والتضليل
الإيديولوجي، قوة منقلبة ضد ذاتها وموجّهة ضد
الحياة. وتتبلور هذه القوة في ثلاثة مظاهر أساسية
متداخلة ومتكاملة هي على التوالي: الذحل أو
الضغينة
le
ressentiment،والوعي
الشقي
la conscience malheureuse،والمثل
الأعلى الزهدي. وهذه المظاهر الثلاثة تشكّل في
مجموعها النموذج الارتكاسي[11].
فليس النموذج الارتكاسي سوى عملية تأويل وتقويم
الحياة والوجود من زاوية الضغينة أو الوعي الشقي
أو المثل الأعلى الزهدي. ومن داخل هذا المنظار
السيكلوجي- الأخلاقي في جوهره وعمقه تبدو الحياة
ظالمة وآثمة، ومصدرا لا ينتهي للألم والمعاناة.
وهذا الطابع السلبي للحياة هو ما يجعلها في حاجة
إلى أقنعة وتبريرات وأوهام لكي يتحملها الكائن
ويقوى بواسطتها على تحمّل عبء الوجود.
يتشكّل إذن النموذج الارتكاسي بفوز القوى
الارتكاسية على القوى الفاعلة وذلك عبر فصل هذه
الأخيرة عما تستطيعه. ويتم ذلك الفصل بواسطة خلق
أوهام تتخذ صورة قيم ومبادئ ومثل عليا مفارقة
يلقّبها نيتشه بالمثل الأعلى الزهدي. ويتم توليد
الوهم عبر عملية إسقاط
la
projection
صورة التناقض على الاختلاف الأصلي بين القوى،
فيصير الاختلاف الطبيعي تناقضا وشذوذا أخلاقيا.
يتم توظيف عدة آليات وإجراءات لإنماء عملية
الاستيهام والتوهيم: كآلية العلّية الخيالية،
والوهم النحوي، والتوهيم المنطقي، والتفسير
الأخلاقي للحياة، والنظرة المانوية للوجود..إلخ.
وحسب نيتشه فلقد لعب القسّ أو اللاهوتي دورا حاسما
في إنتاج الأوهام الضرورية التي مكّنت من انتصار
القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة وبسط هيمنتها
على العالم. تصبح القوى الارتكاسية مهيمنة حين
تكفّ ردود أفعالها أن تكون مفعولا بها فتصير
محسوسة. وهذه الصيرورة الارتكاسية للقوى يمكن
فهمها بسهولة إذا ما حاولنا مقارنة النموذج
الارتكاسي بالنموذج الفاعل. فإذا كان النموذج
الفاعل هو ذلك الذي يتشكّل جهازه النفسي من
منظومتين منفصلتين عن بعضهما هما : الوعي واللاوعي،
حيث يحول هذا الانفصال دون اختلاط المنظومتين،
فيمنع بذلك اكتساح اللاوعي للوعي، ومن اجتياح
ذاكرة الآثار اللاواعية لذاكرة الإثارة الواعية.
والقوة التي تبقي على هذا الفصل بين المنظومتين
وتعيد في كل لحظة تكوين سيولة الوعي والمحافظة على
يقظته وطراوته هي ملكة النسيان. وهي قوة فاعلة
لأنها بمثابة "جهاز تلطيف"
un
amortisseur
يحول دون اختلاط اللاشعور بالشعور، ويمدّ الوعي
بالطاقة الضرورية لاشتغاله وتجدّده، ويستعير تلك
الطاقة من اللاشعور
[12]. والكائن
الذي يتضرّر لديه جهاز التلطيف هذا الذي هو ملكة
النسيان ولا يعود قادرا على الاشتغال يشبه المريض
المصاب "بعسر الهضم"
un
dyspeptique
[13]،
بحيث لا يتوصل إلى إنهاء أي شيء. فضعف ملكة
النسيان يجعل الإثارة تختلط بأثرها في اللاوعي،
فيكتسح ردّ الفعل على الآثار منطقة الوعي، فيصبح
ردّ الفعل ذاك محسوسا به ويكفّ أن يكون مفعولا به.
ومن ثمة لا تعود القوى الفاعلة قادرة على الفعل
فتحرم من شروطها فلا تستطيع ممارسة نشاطها بحرية
فيجري فصلها عما تستطيعه.
ليست الضغينة إذن سوى استحواذ الأثر على الإثارة،
وردّ الفعل على الفعل، واللاوعي على الوعي. والعرض
الرئيسي للضغينة هو العجز عن النسيان. فكل الأحداث
المؤلمة تترك آثارا، والذكريات تصير جرحا متقيحا[14]،
فيجثم الماضي بكل ثقله على الحاضر، فتصبح الذاكرة
مشدودة إليه ومقيّدة بصورة من صوره. وهكذا فإذا
كان النموذج الفاعل يتحدد بملكة نسيان فاعلة،
وبالقدرة على تفعيل ردود فعله وتصعيد معاناته؛ فإن
النموذج الارتكاسي يتحدد بتضخّم الذاكرة، وبسيادة
رد الفعل، وبالكراهية للزمن والصيرورة والتطور.
وبصفة عامة فالنموذج الارتكاسي يتصف بالسمات
والخصائص التالية:
أوّلها: العجز عن التقدير والمحبة
[15].
فكائن الضغينة يضمر الكراهية لكل ما هو مدعاة
للمحبة والتقدير من قبل الآخر. وهو يعمل على تصغير
الأشياء بواسطة تأويلات دنيئة. وهو أيضا متشائم لا
يني يرى الأفخاخ مزروعة في كل مكان. والمذهل فيه
أكثر هو خبثه ونية الإيذاء لديه، وقدرته الهائلة
على التبخيس حيث يجعل من المصيبة شيئا رديئا،
ويتهم الناس ويوزّع المثالب[16].
ثانيها: السلبية
la
passivité.
في الضغينة تظهر السعادة في صورة مخدّر وعطالة
واسترخاء للروح والجسد، أي باختصار تظهر في صورة
سلبية
[17].
وليست السلبية سوى انتصار ردّ الفعل على الفعل.
وكائن الضغينة لا يحب ولكنه يريد أن يكون محبوبا،
لا يروي عطش غيره ولكنه يريد أن يروى عطشه. إنه
باختصار مصاب ب "عسر هضم" لذلك وجدناه يبدي قابلية
قوية للتأثر. وهو يقدّر كل شيء تبعا للربح والكسب.
بل لم تستطع الضغينة أن تهيمن على العالم إلاّ عن
طريق تغليب الكسب على البذل، وتحويل الربح من كونه
مجرد فكرة أو رغبة إلى نظام اقتصادي واجتماعي
ولاهوتي
[18].
ثالثها: إلحاق الأخطاء بالآخرين وتوزيع المسؤوليات
والاتهام الدائم للغير. فما أن تخذل توقّعات كائن
الضغينة حتى ينفجر اتهامات قاسية. إنه باختصار
يقوّم الأشياء من زاوية أخلاقية انطلاقا من ثنائي
الخير والشر، والورع والزندقة، والإيمان والكفر.
فهو لا يشعر بأنه طيب إلاّ إذا شعر بأن الآخرين
خبثاء. فصيغته الأساسية هي كما يقول دولوز: "أنت
خبيث إذن أنا طيب". وهي صيغة تلخّص في نظره ما هو
جوهري في الضغينة بكل سماتها السابقة وتوضح بشكل
جلي منطق النموذج الارتكاسي وكل الفلسفة التي يصدر
عنها. يورد نيتشه هذه الصيغة في "جنيالوجيا
الأخلاق" على لسان "حمل" على النحو التالي:"هذه
الطيور الكاسرة خبيثة، وذلك الذي يكون نقيضها كأن
يكون حملا، ألا يكون طيبا ؟"
[19].
ولفهم منطق هذه الصيغة سنبلورها في صورة قياس،
والقياس كما هو معلوم قول يتألف من مقدّمتين: كبرى
وصغرى ونتيجة. ستتخذ الصيغة الآنفة صورة الاستدلال
التالي:
الطائر الجارح آكل
اللحوم (المقدمة الصغرى)
كل
طائر كاسر خبيث (المقدمة الكبرى)
الحمل
طيب ( النتيجة )
يجري النظر إلى الطائر الجارح في المقدمة الصغرى
كما هو في حقيقته الواقعية، أي باعتباره قوة (طائر
كاسر) لا تنفصل عما تستطيعه (أكل اللحوم). لكن
يجري في المقدمة الكبرى (كل طائر كاسر خبيث)
افتراض أنه قد يكون في وسع الطائر الكاسر أن ينفصل
عن قوته أي عما يستطيعه، وبما أنه لا يريد أن
ينفصل عن طبيعته، ولا يريد أن يكبح نفسه فهو خبيث.
يجري الافتراض إذن في الخاتمة (الحمل طيب) أن قوة
واحدة هي القادرة على كبح ذاتها هي قوة الحمل
ولهذا فهو طيب. بينما الطائر الكاسر نظرا لأنه لا
يستطيع أن يكون حملا أي لا يستطيع أن ينكر ذاته
واختلافه لذلك فهو خبيث. فمنطق الضغينة هنا هو
منطق مقلوب يتخذ الصيغة التالية: الخبيث هو الذي
يؤكد ذاته واختلافه، أي هو الذي
"يكون
جسده"
être son corps
، أما الطيب فهو ذاك الذي يعجز عن توكيد اختلافه
فيدّعي بأنه باستطاعته ذلك لكنه لا يفعله، لأنه
يسيطر على ذاته و"يمتلك جسده"
avoir son corps
[20].
هكذا يتأسس منطق الضغينة على "قياس فاسد"
un paralogisme
أساسه الاعتقاد الوهمي بوجود قوة مفصولة عما
تستطيعه، وبفضل هذا الوهم تنتصر القوى الارتكاسية.
يقول نيتشه:"ألم يصل شعب إسرائيل- عبر طريق
المخلّص الملتوية، عبر هذا الخصم الوهمي الذي بدا
وكأنه يريد تشتيت إسرائيل-إلى تحقيق آخر أهداف
ضغينته السامية؟"[21].
وفي نظر دولوز فإن تحليل هذا الوهم يكتسي أهمية
قصوى، لأنه بواسطته تكتسب القوى الارتكاسية قوة
معدية، بينما به تصبح القوى الفاعلة قوى ارتكاسية
بالفعل.
يقوم هذا الوهم ويترسخ بواسطة عدة آليات من أهمها
آلية العلّية الخيالية. وتتمثل هذه الآلية في
إقامة انشطار ما بين القوة ومفعولها، حيث يتم
افتراض أن القوة علّة مستقلة ومنفصلة عن
تجلّياتها. فالعلّية هنا معتقد خيالي يتم توظيفه
من قبل النموذج الارتكاسي لكي يعزز الاعتقاد
الوهمي بأنه من الجائز أن يصبح القوي ضعيفا (كأن
يصبح الطائر الكاسر حملا). وهذه العلّية الخيالية
هي حيلة النموذج الارتكاسي: فالطيب هو الذي يكون
على نقيض الآخر المختلف (أي الخبيث). "فالخبيث" هو
"خبيث" لأنه يمارس قوة يمتلكها، بينما "الطيب" هو
"طيب" لأنه يمتنع عن ممارسة قوة لا يمتلكها. هكذا
يجري تحويل الاختلاف الطبيعي الموجود بين الكائنات
إلى تناقض، وتقديمه في صورة تعارض أخلاقي،
كالتعارض بين الطيب والخبيث، أو بين الخير والشر[22].
فبواسطة التأويل الأخلاقي للحياة والوجود تعطي
القوى الارتكاسية عن مبدأ الاختلاف - الذي هو أساس
الحياة - صورة مقلوبة حيث يصير مبدأ أخلاقيا. ويتم
قلب هذه الصورة بواسطة آليات التوهيم والتضليل، أي
بواسطة تواطؤ بين القوى الارتكاسية والإرادة
العدمية. ولقد قلنا سابقا بأن نيتشه يعتبر بأن
اللاهوتي هو الذي يمنح للقوى الارتكاسية الإرادة
الملائمة لها، وباسم تلك الإرادة تتم مقاومة
الحياة
[23].
أساس الضغينة إذن هو اتهام الآخر والحياة،
والوقوع تحت وطأة الشعور بالإثم، ومحاولة الهروب
من هذا الشعور المؤلم عن طريق التعلق بأوهام تقدّم
له في صورة حقائق لاهوتية، أوأخلاقية، أو فلسفية،
أو علمية. بواسطة الأخلاق –والأخلاق تكتسي في
المنظور الجنيالوجي عدة دلالات: فهي لاهوت،
وميتافيزيقا، ولغة، وشبه نظريات علمية...- إذن
تتبلور الضغينة إلى وعي شقي. ويتم ذلك عن طريق
تحويل مفهوم "الألم" من معناه الخارجي الإيجابي
إلى معناه الداخلي السلبي. وهذا التحويل يعدّ لحظة
حاسمة تتوّج انتصار القوى الارتكاسية وتشكّل
النموذج الارتكاسي. يكون الألم عبارة عن قوة فاعلة
وإيجابية حين يتجلى كمعنى خارجي ويتم الإبقاء عليه
في خارجيته، وهذا ما يميز القوى الفاعلة قبل أن
تنتصر عليها القوى الارتكاسية. فالفاعل القوي يعرف
كيف يحقق الربط إيجابيا بين الألم والحياة. وإذا
كان لا يأخذ مأخذ جدّ الألم بما في ذلك ألمه ذاته،
فلأنه يتصور باستمرار وجود قوة ما أو "شخص ما"
يمتعه ذلك الألم
[24].
بيد أن نيتشه يلاحظ بأنه يوجد في الوقت الراهن
نزوع للتذرع بالألم كحجة ضد الوجود. لأن الوجود
صار- في المنظور الارتكاسي- أكثر عرضية وعبثية،
وخاليا من المعنى والقيمة[25].
بينما المعنى الإيجابي للألم، هو ذاك الذي لا يتخذ
حجة ضد الحياة، بل على العكس من ذلك ينظر إليه
باعتباره مثيرا للحياة وحجّة لصالحها وتجلياّ
فاعلا لها:
ألا يقول المثل الشعبي المغربي " أللّي أبغى لعسل
يصبر لقريص أنحل". وفي سياق نفس الدلالة يقول
نيتشه:" لقد كانت القسوة بمثابة متعة مفضّلة لدى
البشرية الأولى. فكانت تدخلها كتابل أساسي في كل
متعها تقريبا. حيث لا استمتاع من دون ألم. هذا ما
ينبئنا به تاريخ الإنسان الأكثر إيغالا في القدم.
فللألم مظاهر الاحتفال."
[26].
بيد أن انتصار القوى الارتكاسية على القوى الفاعلة
أدى إلى تحوير مفهوم الألم، فتم نقله من معناه
الإيجابي الخارجي إلى المعنى السلبي الداخلي، بحيث
لم يعد الألم عنصرا فاعلا "بل هو ما يجب الهروب
منه بواسطة أقوى الأهواء توحشا. فالألم نتاج غلطة
أو خطيئة، وهو أيضا وسيلة للخلاص منها. فالألم لا
يشفى منه إلاّ بمضاعفته والمزيد منه عبر استبطانه
بشكل أعمق وعن طريق تلويث الجرح"
[27].
ذلك هو التفسير الذي يقدمه اللاهوتي للألم، وتلكم
هي "الوصفة" التي يقدّمها "طبيب الروح" لإخراج
الإنسان من تمزّقه.
قلنا بأن الكائن الارتكاسي عاجز عن توكيد ذاته في
الوجود، لهذا فهو يعاني من ألم وتمزّق، فيسعى
جاهدا للبحث عن علّة لألمه وتبرير لعجزه. فيعثر في
البداية عن ضالته في التفسير الأخلاقي للوجود، وفي
النظرة المانوية للحياة. فيتهم كل ما هو حيوي
فعّال، ويقلب الاختلاف إلى تعارض موظفا في ذلك
استدلالا فاسدا صاغه دولوز على النحو التالي: "أنت
خبيث إذن أنا طيب" . وبهذا المنطق يتم توجيه قوة
الضغينة نحو الآخر وضد اختلافه. لكن الضغينة لغم
متفجّر وطاقة مخرّبة، فهي تؤذي الأنا والآخر أيضا.
لكن بنفس القدر فهي تهدد الأمن والاستقرار
والنظام. من هنا تطرح ضرورة احتواء مفعولاتها
وإبطال لغمها، فيتم تغيير اتجاهها باتجاه "الوعي
الشقي": "فعلة الألم ومصدر الشر يوجدان بداخل
الإنسان، فهي عقاب وانتقام من الأخطاء والكبائر
التي ارتكبها الكائن فيما مضى"[28].
بهذه الكيفية يتم استبطان الألم، فيكتسب بذلك
معناه السلبي الباطني، فيتحول إلى وعي شقي. كلّ
هذا يجري وكأنّ الضغينة لا تهدأ إلاّ بنشر عدواها
حتى تصبح الحياة بأسرها ارتكاسية وجميع الأصحاء
مرضى. فلا يكفي اتهام الغير والحقد عليه، بل يجب
على المتهم ذاته أن يشعر بأنه مذنب، وبأنه في حاجة
إلى إعلان التوبة والتكفير عن ذنب حتى ولو كان هذا
الأخير مجرد وهم. وبموازاة التحول الآنف الذكر
الذي يخضع له مفهوم الألم، هناك تحوّل آخر يمسّ
طبيعة العلاقة بين الدائن والمدين– أي يستهدف أحد
الركائز الأساسية التي تنبني عليها الحياة
المشتركة بين الأفراد داخل المجتمع وهي تتعلق
بمبدأ الدّين
la dette.
حيث يفقد هذا المبدأ طابعه العابر والفاعل الذي
كان يساهم في تحرير الإنسان، فيتحول إلى "دين
أبدي"
une dette éternelle
يتعذر تسديده والتحرر منه. يصبح الدّين علاقة
مدين لن ينتهي من الدفع، بدائن لن ينتهي من
استيفاء فوائد الدّين، فيجري استبطان ألم الدّين
[29]،
فتتحول المسؤولية عن الدّين إلى شعور بالذنب.
يمثّل
"المثل
الأعلى الزهدي" المظهر الثالث للنموذج الارتكاسي،
وهو عبارة عن تركيب للضغينة والوعي الشقي، إذ
بواسطته يتكاملان ويقوّي أحدهما الآخر[30].
ليس المثل الأعلى الزهدي سوى تعبير عن أرقى أشكال
الأقنعة التي ترتديها المعاني الزائفة التي يمنحها
الكائن لألمه وشقائه وقلقه في الوجود، وذلك حينما
يصاب باضمحلال فزيولوجي ونفسي عميقين، وبروح
إنكارية تجعله غير قادر على توكيد ذاته وحياته في
كل أبعادها، بدون بخل وحساب، أو ذحل وإحساس
بالذنب، وبدون الحاجة إلى التعلق بقيم ومثل عليا
مفارقة. لهذا اعتبر نيتشه بأن تفكيك المثل الأعلى
الزهدي بما هو الشكل الأرقى للقوى الارتكاسية،
يعتبر شرطا ضروريا لتمكين الإنسان من التصالح مع
ذاته وطبيعته ومع الغير الذي ليس سوى وجهه الآخر
المختلف. ولا حاجة إلى التذكير أن هذا المثل
الأعلى ماهو إلا عنوان واسع تندرج تحت إطاره جميع
المعاني الكبرى، والقيم المقدّسة، والمثل العليا
المفارقة، القديمة والحديثة، وهي تشمل القيم
اللاهوتية والقيم الحديثة والمعاصرة كالعقلانية،
والنزعة الانسانية[31]،
والوضعية، والمثل الاشتراكي، والديمقراطي[32]...من
هنا يكتسي تحليله بعدا راهنيا ويشكّل بالنسبة
للفكر العربي المعاصر أحد المشاريع التي يكتسي
إنجازها طابع الضرورة والاستعجال .
3-
إشكالية الأنا والآخر:
وإذا
كان تحليل النموذج الارتكاسي اقتضى منّا في مرحلة
أولى تشخيص أعراض مرض الضغينة والوعي الشقي وإزالة
الأقنعة عن آليات اشتغاله وشروط ظهوره، فإن
استكمال التحليل يتطلب كمرحلة ثانية فضح الأوهام
التي يولّدها المثل الأعلى الزهدي وعلى رأسها
أوهام الهوية، والأنا، والآخر، كمدخل نظري لتأصيل
فكر الاختلاف داخل الثقافة في الإسلام . من جهتي
سأكتفي في هذه المداخلة بإثارة بعض القضايا،
واقتراح بعض التصورات التي لها صلة بالمسألة
المطروحة.
هناك ضرورة لإعادة صياغة إشكالية العلاقة بين
الأنا والآخر، إذ الطرفان هما وجهان لعملة بشرية
واحدة حيث لا أحدهم ينفك عن الآخر فيما هو يسعى
إلى تحقيق مشروعه في الحياة. فلا غنى للواحد عن
الآخر كيفما كانت شكل العلاقة بينهما على أرض
الواقع. إذ الحاجة إلى الغير ضرورة، والاختلاف
رحمة بل قضاء وقدر. لكن هذا يقتضي إعادة النظر في
مسائل الهوية والآخر والاختلاف، إذ لا يجب قراءة
الهوية من خلال مفاهيم: العرقla
race
، أو الأصل، أو الجوهر، أو الخير، أو المطابقة، أو
الوحدة ...بل يجب النظر إليها من خلال الاختلاف
والتعدد والتهجين والصيرورة، وفيما وراء الخير
والشر. إن هذا التعدد الذي يسم الهوية، والذي يجعل
المعنى يختلف عن نفسه، والذات تبتعد عن ذاتها، هو
ما دفع بدولوز- أسوة بنيتشه - إلى أن يستعيض عن
الثنائي التقليدي "الهوية والاختلاف" بثنائي مضاد
هو "الاختلاف والتكرار"difference
et repetition،
أي باختلاف لا يكون أساسه هو التشابه، ولا يرتد
إلى التناقض أو إلى وحدة أصلية. فالاختلاف يصبح
تكرارا أي عودا أبديا
un retour eternel.
والعود الأبدي للهوية ليس هو عودة الأمور ذاتها
وإلغاء الاختلافات، بل إنه يعني على العكس من ذلك
أن الغرابة والاختلاف يتأكدان من العودة وعن
طريقها. فالعود كما يقول نيتشه هو أن تصبح
الصيرورة هوية، إنها هوية الاختلاف. وهذه الهوية
التي تتولّد عن الاختلاف هي التكرار
[33].
صحيح أن هناك أصولا وثوابت من النصوص والرموز
والأحداث المؤسسة، لكن العلاقة بها ليست ثابتة بل
متحرّكة، أي تقوم على إعادة التأويل والتشكيل
والبناء، وإلاّ آلت العلاقة بالهوية إلى التحجّر
والجمود أو إلى الاستئصال والإخصاء
[34].
وكما أنه يجب تفكيك الثنائي "هوية-اختلاف"، يجب
أيضا خلخلة ثنائي آخر ميتافيزيقي "وحدة-تعدد"،
بحيث يجب إقحام الكثرة داخل الوحدة والاختلاف داخل
الهوية، فلن تكون التعددية تعددا فعليا إلاّ إذا
أصبحت تسكن الوحدة ذاتها. فكائن التعدد أي النموذج
الفاعل ليس ذاك "الذي يحمل عدّة جوازات، ويتكلم
عدّة لغات، وإنما ذاك الذي يوجد بين لغات وبين
ثقافات، ولم لا بين هويات".
فلا وجود لهوية صافية أو أصول نقية وطاهرة. بل كل
هوية هجينة بحيث هي خليط من الفروع والأنساب وهي
خلاصة تركيبية للتجارب والخبرات، للنجاحات
والإخفاقات، للكوميديا والتراجيديا. والأحرى أن
نتحدث عن فرديات تتواجه في حقول وقطاعات، وتقوم
بينها علاقات قوة، أو ثروة، أو شهوة، أو معرفة،
بصرف النظر عن تعدد الانتماءات واللغات والثقافات.
إن هذا يقتضي الانتقال من الأنا الخصوصي( الإسلامي
أو اليهودي أو العربي أو الغربي أو الأمريكي)
المسجون داخل أسمائه وشعاراته ومعانيه، نحو الأنا
بوصفه فاعلا بشريا مسؤولا ومشاركا في بناء الحضارة
والحفاظ على الطبيعة والسمو بالحياة، بصرف النظر
عن الخصوصيات والانتماءات، والعقائد والهويات[35].
ذلك لأن الهوية المغلقة هوية ارتكاسية لا تولّد
داخلها سوى النبذ والطرد للمختلف، بدلا من أن تفضي
إلى خلق مجال للتواصل والحوار ولتدبير الاختلاف.
وهكذا فالهوية والوحدة القائمة على التجانس التام
بين من يتماهون مع الأصل، مع هوية دينية أو قومية
أو ثقافية أو لغوية، إنما هي سراب خادع، لأنه لا
أحد بوسعه أن يتطابق في فكره أو تصرفاته أو حتى في
أحلامه مع الأصل. لأن المسألة لا تتعلّق بأصل
يتجلى عبر نسخه المطابقة له، بل بشيء لا يعبّر عن
نفسه "إلاّ عبر الاختلاف والنسخ، أو بأصل لا نعثر
عليه إلاّ كفرع، أو بمعنى لا ندركه إلاّ كتأويل،
أو بمركز هو بؤرة للتوتر وحيّز للتعدد". فالهوية
المتطابقة والوحدة المتجانسة هي وهم وخرافة حتى
لدى الفرد الواحد. إذ الفرد في النهاية هو تمزّقه
وانشطاره، وهو جموع أحواله وأطواره، أو هو فراغه
ومتاهاته بقدر ما هو امتلاؤه وفيضه.
هكذا فالفصل الحاسم بين الأنا والآخر لا يصمد
أمام التحليل، لأننا كلما فحصنا تعريفا للأنا
وجدناه ملقّما بالآخر، ومهجّنا بأغياره. وبالعكس
كلّما فحصنا تعريفا للآخر وجدنا فيه ما يشبه الأنا.
لذا ليس الآخر الجحيم تماما كما قال ذات مرة سارتر،
كما أن المماثل ليس الملاذ أو الملجأ كما رآى لفي
ستراوس. وهذا يعني أن التعارضات التي نقيمها عادة
في عقولنا بين القطبين أو الضدين، عبارة عن
ثنائيات تنطوي على قدر كبير من الزيف والخداع.
وهذا حال ثنائية الأنا والآخر، فما نستبعده أو
ننفيه من مجالنا الحيوي ومدانا الوجودي بوصفه الهو
أو الآخر، قد يقيم فينا ويحيا بين طياتنا. وبالعكس
فما نظنّه الأنا أو النحن قد يكون لغما متأهّبا.
وهذا مآل كل تعريف لتسييج الهوية وحصر الدلالة، إذ
ينتهي إلى صوغ وحدة مفخّخة تقوم على التبسيط
والاختزال، بقدر ما تنبني على التسلّط والإخصاء
la castration.وإلاّ
كيف نفسّر النزاعات والحروب الأهلية التي تشهدها
بلداننا ومجتمعاتنا باسم الهوية والوحدة ؟ باسم
هوية دينية أو مذهبية، أو باسم وحدة قومية أو
سياسية. تلك هي معضلة من يريد الحسم والفصل في
مسألة الأنا والآخر، ويقفز على طابعهما الإشكالي[36].
مما يدلّ على مدى التداخل والتشابك بين الأنا
والآخر، بحيث من نستبعده بوصفه الآخر قد يكون
وجهنا الآخر أو من نتمنى أن نكون مثله، مما يعني
أن محاولة الفصل الحاسم بين مجال الأنا ومجال
الآخر ليست سوى خدعة ومصيدة يولّدها التكرار
وأوهام الأصل والهوية والوحدة. إنّ هوية الأنا
تثير إشكالا حتى بالنسبة للفرد ذاته، حين يريد
تعريف هويته وإعطاء مضمون لأناه. فهو يصطدم بشبكة
من الدوائر المتعددة والمتداخلة والتي تتراوح بين
الخصوصية والكونية، بين الانتماء العائلي
والانتماء الطبقي، بين الانتماء الديني والانتماء
الطائفي، أو بين الانتماء الوطني والانتماء
الإيديولوجي، أو بين الانتماء القومي والانتماء
الإنساني. وكل هذه المستويات والأبعاد تتداخل
وتتشابك لكي تجعل من الصّعب تعيين مركز يمكن القول
بأنه يمثّل هوية المرء الأصلية أو حقيقته الجوهرية[37].
وهذا يعني أنّ الفرد مجموعة من الشّظايا
والشّروخات، أو بالأحرى قابل لكل الأسماء والهويات.
لذا لا يستوعبه اسم، ولا يستنفده عنصر، ولا تحصره
عقيدة. لأن الاسم الواحد يحجب الأنوات التي تعتمل
داخل الفرد في الفكر والوجدان والذاكرة والتي هي
محصلة الصور والصفات والنماذج والتجارب التي ينجذب
إليها المرء ويتماهى معها. كلّ هذا يجعل من ذات
الفرد نسيجا فريدا يؤلّف بين أنوات أو أسماء لاحصر
لتعدادها كما يقول نيتشه[38]،
"هي أشبه بأقنعة لشيء لا يتكرر إلاّ لكي يتنكّر
لاختلافه عن ذاته"[39].
وخلاصة القول فنحن إزاء تعدد مركّب يخترق هوية
الأنا والآخر، بحيث لا وجود لذات قائمة بمعزل عن
الغير. كما أنّ الذات ليست سوى مرآة لصور مختلفة
أو مرايا متعددة تتجلى من خلالها ذات واحدة على
نحو ما يرى ابن عربي. صحيح أن الإنسان ابن بيئته
ونتاج ثقافته،
لكن ثمة فرق بين ثقافة وثقافة. فهناك ثقافة منغلقة
يغلب عليها الطابع العقدي الوثوقي، وتتصف
بالمحافظة والانشداد إلى الماضي، والتشديد على
الهوية الخالصة، والتشبّث بصورة أحادية عن التراث.
وهذه هي ثقافة المغلوب، والضعيف، أي ثقافة النموذج
الارتكاسي: فالضعيف هو من يتمسّك بما عنده، بينما
القوي يطلب ما عند غيره. وهناك بالمقابل ثقافة
تحرر قوى الإنسان من عقالها،
وتتيح للعقل أن يخرج من عجزه وقصوره، أي أن يتحرّر
مما يعيقه من الأوهام الذاتية، والأحكام المسبقة،
واليقينيات الراسخة.
محمد أندلسي/أستاذ الفلسفة/كلية الآداب والعلوم
الإنسانية بمكناس
[1]
- Abdelkebir Khatibi , Maghreb pluriel ,p20
,éditions Denoel ,1983 .
[2]-
Valadier(P)
, Nietzsche et la critique du
christianisme,p215,les éditions du
cerfs,Paris,1974
[3]-
Nietzsche(F) ,Aurore ,aph/119 et Gai savoir
,aph/11 et aph/354
وفي الحقيقة فإن التأكيد على الطابع الارتكاسي
للوعي لا يرتبط بنيتشه وفرويد رائد مدرسة
التحليل النفسي فحسب، بل يمتد بجذوره إلى
فلسفات كل من ليبنتز وكانط وهيجل. لقد أكد
ليبنتز-ضد ديكارت- على المكانة والدور
المحدودين للوعي وخاصة فيما يتعلق بالمعرفة
التي يقدمها للفرد عن ذاته، أو عن الآخر
والعالم. وفي مقابل هذه السطحية والمحدودية
المميزة للوعي، يدافع ليبنتز عن عمق وغنى
العالم الداخلي للإنسان وغرابته. وقام كانط
بعد ليبنتز بدور كبير في تقزيم السلطة المطلقة
التي كان يتمتع بها العقل، حيث وضع حدودا
لاستعماله مما قلّص من نطاق صلاحيته المنطقية
وزرع الشك في القيمة النهائية للمعرفة
الإنسانية. ولقد عمل هيجل بعد كانط على إدخال
مفهوم الصيرورة داخل المنطق ذاته وفي طيات
العقل. مما أدى إلى تفكيك وهم التطابق بين
منطق الوعي والعقل ومنطق الجسد والواقع.
[4]
-
Nietzsche(F)
,Au delà du bien et du mal , aph/17 .
-[5]
يمكن الرجوع بصدد هذه المسألة إلى
مؤلف"الفلسفة من منطق العقل إلى منطق الجسد/جنيالوجيا
الخطاب الميتافيزيقي". تأليف محمد أندلسي،
منشورات عكاظ، الرباط 2003.
[6]
-
Heidegger(M) , Nietzsche2, p32,
trad,klossowski ,éditions Gallimard , 1971
[7]
-
Reboul(O) ,Nietzsche critique de Kant , P45
, Puf , 1974
[8]
-
Deleuze(G) , Nietzsche , P32 , 10°éditions ,
Puf , 1995
[9]
-
Nietzsche(F)
, Généalogie de la morale 3, aph/13 ,
préface de Henri Birault , éditions Nathan ,
1981
[11]
-
Deleuze , Nietzsche , P29 , op,cit
[12]
-
Deleuze(G) ,
Nietzsche et la philosophie , P130 ,
éditions Puf , 1970
[13]
-
Généalogie
de la morale 2 , aph/1 ,P112 , op,cit
[14]
-
Nietzsche(F) ,Ecce Homo, Pourquoi je suis si
sage,in Œuvres,Robert Laffont,Paris 1993.
[15]-
Généalogie de la morale 1 , aph/1O ,ibid
[16]
-
Deleuze , Nietzsche et la philosophie , P134
, OP,CIT
[17]
-
Généalogie de la morale 1 , aph/1O ,
op,cit
[18]
-
Par delà le
bien et le mal , aph/260 , op,cit
|