www.philomaroc.com

  الاستقبال متابعات فلسفية قضايا فلسفية ترجمات بحوث ومختارات الفلسفة والأدب الفلسفة والتنمية مقهى الفلسفة اتصلوا بنا

الصفحة الرئيسية

 

 

 

بحوث ومختارات

إن نمط التفلسف الوحيد الذي بحوزتنا لن يكون سوى ضربا من التحرّر الجذري من أوهامنا عن أنفسنا، والعودة الفينومنولوجية الاضطرارية إلى العالم المعيش، وإلى العصر في عيانيته، والإنصات إلى نبضاته وما يختمر في دواخله     maroc  

  مواضيع الصفحة

 

قبر واحد لسماء كاملة ع.أوميد

ديكارتيون بدون ديكارتية م. سبيلا

منظور الأفلاطوني للتربية والتعليم عبد القادر المذنب

قلب الأفلاطونية         جيل دولوز

تأملات فلسفية في ثنايا العنف  محمد الدكالي

سهم في قلب الزمن الحاضر ب.هابرماس

ابن عربي مسألة المعرفـة            توفيق رشد

 نصوص مختارة   توفيق رشد  

الهويةالمشروع                      عبد السلام بنعبد العالي

في البدء كانت الحيلة                  نعيمة بنعبد العالي

  

 

  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 المثقف الورقي و المثقف الرقمي                      محمد أسليم

1. في إشكالية قراءة وتقويم

إن شئنا تقديم جرد للثقافة العربية في الأنترنيت، من خلال إسهامات المثقف العربي في الشبكة العنكبوتية، وجدنا مادة غزيرة لتحقيق هذا الغرض، الأمر الذي يحفز على إنجاز هذا المشروع، لكن ما أن نباشر تطبيقه حتى يصير الأمر في غاية الصعوبة: فتقويم شيء ما أو تقديم حصيلة له مسألة تفترض وجود ما هو مكتمل ونهائي، وهو أمر ممكن إلى حد كبير مع الإنتاج المطبوع، بيد أنه شبه مستحيل مع الأنترنيت لأسباب أربعة:

1. 1. طبيعة الشبكة ذاتها، والمتمثلة في سيولة هذه القارة وسرعة تبدل معطياتها لدرجة أن أي تقويم لا يمكن أن يتم إلا داخل الأنترنيت، كما لن يكون إلا آنيا بالنظر إلى سرعة تدفق المعلومات. فالشبكة العنكبوتية تشبه محيطا تتحرك مياهه على الدوام بما يجعل من المستحيل السباحة فيه مرتين. إنه عالم في تقلب مستمر، ثمة دائما مواقع تختفي وأخرى تظهر وأخرى تغير مكان إقامتها، ترحل من منطقة إلى أخرى...

1. 2. الانترنيت يتيح للفكر والإبداع أن يتجلى في تموجه وحركته الدائمتين، مما يقتضي مراجعة أدوات التحليل والنقد الموروثة عن عصر الكتاب الورقي ذاتها؛ إذا كان النشر المادي يقدم كل نص، إبداعيا كان أم فكريا، باعتباره منتهيا؛ لا يمكن لمؤلفه أن يجري عليه أي شكل من أشكال التعديل (حذف، توسع، مراجعة، تصحيح، تنقيح، الخ.) إلا في شكل طبعة ثانية أو نشر جديد، فإن النشر الإلكتروني، بخلاف ذلك، يجعل من العمل نفسه ورشة قابلة للتعديل على الدوام، بحيث لا يوقف هذه التعديلات إلا رغبة المؤلف. إذا تعلق الأمر بدراسة، مثلا، فإنه صار بالإمكان تحيين محتواها بشكل دائم تماشيا والقراءات الجديدة في الموضوع والمستجدات ذات الصلة. وبذلك لن تقرأ الإنتاج المذكور مرتين في ثلاث تحيينات له، مثلا، على امتداد بضعة أشهر. والأمر نفسه ينطبق على الأعمال الإبداعية…

1. 3. فكرة المبدع والمثقف نفسها تتعرض لمراجعة قوية مع حادث الشبكة؛ فثقافة الكتاب الورقي كرست صورة هذا الفاعل الاجتماعي والثقافي باعتباره شخصا يمتلك سلطة للقول، تمنحه إياها مجموعة من الوسطاء: دور النشر بتراتبياتها الداخلية، الصحف بطواقم تحريرها، المجلات بفرق تحريرها وهيآتها الاستشارية، المؤسسات العلمية، وأخيرا النقاد والقراء. في حين مع الأنترنيت صار بإمكان من شاء أن ينشر ما شاء ويقدمه باعتباره ما شاء موصلا إياه رأسا إلى المتلقي، دون المرور من أي وسيط أو رقيب، وذلك على قدم المساواة مع أي أديب أو مثقف آخر اجتاز آليات التصفية التقليدية وكرس نفسه باعتباره اسما وازنا...

أكثر من ذلك، فالرقمية لم تجعل النشر في متناول الجميع فحسب، بل وكذلك أتاحت له التحقق بمنتهى السرعة وبكلفة زهيدة لا مجال للمقارنة بينها وبين الاعتمادات المادية التي يتطلبها النشر الورقي. فإرسال كتاب بكامله إلى أي ملقم في أي بقعة من بقاع العالم وجعله رهن إشارة المبحرين في كافة أرجاء المعمور عملية لا تتطلب أكثر من بضع ثوان إلى بضع دقائق (حسب سرعة الاتصال)، وبالتوفر على مساحة تخزينية بسعة 100 ميغا بايت، مثلا، يمكن نشر حوالي 200 كتاب... فالأنترنيت، قبل كل شيء، هو أكبر شبكة من الحواسيب مرتبطة فيما بينها وتقرأ لغة واحدة. ثم إن هذه الشبكة ليست في ملك أي كان، كما لا تستطيع أي جهة لحد الآن أن تدعي امتلاكها أو تمتلك سلطة التحكم في تدفق المعلومات فيها. الشبكة تم تصورها في الأصل لأغراض عسكرية تتمثل في تفادي انقطاع التواصل بين القيادة وباقي الوحدات بسبب هجوم نووي أو غيره. تفاد تم تحقيقه الآن بالإزاحة عن المركز: في الأنترنيت لا وجود لوسط ولا محيط: كل الحواسيب مراكز ومحيطات في الآن نفسه؛ إذا توقفت ملقمات جهة جغرافية ما عن إمداد حواسيب العالم بالمعلومات، فإن ذلك لا يحول دون انقطاع الإمداد من وإلى جهات أخرى، إذ تستمر ملقمات الأنحاء الأخرى دائما في التزويد بالمعلومات وتأمين التواصل بين المستخدمين... ويبقى طبعا من المشروع التساؤل عن الرهانات السياسية والاقتصادية والثقافية الكامنة وراء إطلاقها وجعلها في متناول يا أيها الناس.

هذه النقطة التي يصطلح عليها بـ «مصداقية المعلومة» أو «غياب المصفاة»، على حد تعبير أمبرتو إيكو[1]، تمثل نقطة سلبية وإيجابية في آن: سلبية نظرا للتلوث الذي تحدثه في الويب، وإيجابية لما تضمنه من مساواة وديمقراطية – إن جاز التعبير – بين منتجي الفكر والثقافة المعنيين بنشره في سائر أرجاء المعمور:

فالرقابة الذاتية على ما ينشر في الأنترنيت، والذي لم يعد يقتصر على المكتوب، إذ تتيح تقنية الترقيم تحويل، ولأول مرة في تاريخ البشرية، الصورة والصوت والكتابة في صيغة واحدة هي 0 و1، تلك الرقابة ليست متساوية لدى جميع الناس، وبالتالي بديهي ألا يكون شعرا كل ما يقدم نفسه باعتباره نظما مثلما بديهي ألا نجد سردا ضمن مجموع ما يقدم نفسه باعتباره محكيا، كما بديهي أن يحدث ألا نجد سوى هذيان ضمن ما يقدم نفسه باعتباره إنتاجا فكريا رصينا...

من جانب آخر، العديد من النصوص التي تقصى (أو أقصيت) ظلما من التداول الورقي، إما لمنع الرقيب أو لبيروقراطية جهاز النشر أو لسوء تقدير هيأة قراءة دار النشر، هذه المجلة أو تلك...، العديد من هذه الأعمال يجد فضاء رحبا للتداول، وبالتالي ثمة من ينجح في تكريس نفسه كاتبا انطلاقا من الشبكة، فتجد أعماله طريقها للنشر الورقي، كما ثمة من يكون قد كرس نفسه كاتبا في عالم الورق ولا يجد له موطئ قدم في القارة الافتراضية. وأشهر مثال على ذلك، الكاتب الأميريكي Stephen King، الذي أراد في يوليوز 2000، الاستئثار بالعائدات الطائلة لكتابته، بعيدا عن وساطة ناشره الورقي، فوضع روايته الجديدة The plant، على الخط، رهن إشارة القراء مقابل دفع أقساط شهرية، لكن عدد قرائه انهار بشكل متزايد بما جعله يتخلى عن المشروع في شهر دجنبر من السنة نفسها، ولم يكن ما كتبه قد تعدى ست فصول من العمل[2].

1. 4. في صلة مع النقطة اللاحقة، وكما نبه إليه جورج لاندو في سياق آخر يرتبط بدراسة النص التشعبي التخييلي، إن تناول مادة إلكترونية بالدراسة في منشور ورقي أمر لا يخلو من مفارقة بالنظر إلى تباين العالمين: فالمنشورات الورقية أجساد ميتة تسجن النصوص في قوالب مادية، لا تحيل إلا على ما بداخلها. وإذا ما استدعت العودة إلى نصوص خارجية، فالتحقق من هذه الإحالات يقتضي من القارئ بذل مجهود في العودة إليها، وهو ما لا يتحقق دائما. بخلاف ذلك، تتيح المنشورات الإلكترونية في الأنترنيت، عبر إمكانية إدراج الروابط التشعبية، الوصول إلى مجموع نصوص إحالات الدراسة (المتوفرة في الويب طبعا)، من خلال مجرد النقر على الروابط التشعبية المفضية إلى متون المراجع على نحو ما نفعل الآن.

2. ثقافتان ومثقفـان:

لقد أفضت هذه الازدواجية، في المجال العربي كما في غيره، إلى ارتسام خط فاصل بين ثقافتين ومثقفين: ثقافة ومثقف سيبيريين رقميين عصريين، وثقافة ومثقف ورقيين كلاسيكيين تقليديين.

في العالم العربي قليلة هي النماذج التي أدركت عمق التحولات التي تعرفها الثقافة البشرية في ظل الثورة الرقمية التي نعيش بداياتها، وبالتالي انتقلت من عالم الورق إلى عالم الرقم أو زاوجت بين الاثنين. يكمن عمق الثورة الرقمية في كونها ستؤدي إلى تحول كبير ليس في ميدان الدراسات الأدبية فحسب، بل وكذلك في أشكال التواصل وحقول المعارف البشرية بكاملها، سواء على مستوى الإنتاج والنقل والإيصال أو على مستوى التلقي والتداول. فما الكتاب، والقراءة، والمؤلف، والإبداع الأدبي، متمثلا في السرد التخييلي والشعر، سوى قضايا جزئية في سياق تحول جذري يهم الحضارة البشرية بكاملها، نحن الآن شهود عيان على بداياته...

هذه النماذج (التي تزاوج بين النشر الورقي والنشر الإلكتروني) تحضر في ثلاث واجهات:

- صحف ومجلات: النهاران (اللندنية والبيروتيـة القدس العربي، الشرق الأوسط ، الزمــان، العلم، ألف ياء، ايلاف، بانيبال، أفق، حقائق، التجديد العربي، الاغتراب الأدبي، ألـواح، نـزوى، مدارات، معابر، الكرمل، أقلام أونلاين، أفق، الآخر، ملكة سبأ الثقافية، الحوار المتمدن، عشتار، النفزاوي، الآخر ، جسد الثقافة، الخ.

إشارة لابد من إيرادها، وهي أن الحضور في الأنترنيت لدى عدد لا يستهان به ممن ينشرون في هذه الواجهة والواجهة الموالية لها هو حضور عرضي فقط، يتم من خلال منبر النشر الذي يزاوج بين الإصدار الورقي والرقمي (الصحف)، أو يقتصر على النشر الرقمي غالبا باستجلاب مواد منشورة في صحف رقمية وإعادة نشرها في موقعه الرقمي (حالة موقع كيكا، مثلا). وبذلك بديهي أن تحضر أقلام لا علاقة لها إطلاقا بعالم الرقم... من علامات ذلك، تعذر مجرد التواصل مع العديد من الأسماء الكبرى التي كرست نفسها في الساحة الثقافية العربية، لأن مقالاتها لا تحمل عناوين إلكترونية...

- مواقع ثقافية: كيكا، المرايا الثقافيـة، الـزومـال، منتدى الكتاب العربي، نادي القلم،  منبر ابن رشد للفكر الحر،  بيت الشعر في المغـرب، بيت الشعر الفلسطيني، نسابا،جهة الشعر، ثقافة 11، الابداع العربي، الخ.

- مواقع شخصية: أسعد الجبوري، محمد عابد الجابري، حمزة الحسـن، عبد الله إبراهيم، نوال السعداوي، المهدي المنجرة، عدنان الصائغ، شاكر لعيبي، قاسم حداد، سيف الرحبـي، شوقي محمد الزين، فيفيـان صليوة، جاكلين سلام، هشام فهمي، جمانة حدّاد، علي مزهـر، عبد السلام الموساوي، محمد زيدان، أحمد العمراوي، سوزان عليوان، محمد الدروبـي، بريهان قمـق، سعيد بنگراد، لطفي خير الله، يحيى اليحياوي، أحمد بوزفـور، أيمن اللبدي، الخ.

إذا اعتمدنا مثل هذه الأشكال معيارا لتقويم حضور المثقف العربي في الأنترنيت خلصنا فورا إلى النتيجة المحزنة التالية، وهي أن عدد المواقع الثقافية والفكرية في العربية لا يتناسب وعدد المبدعين والمفكرين ونقاد الأدب في العالم نفسه، وبالتالي فالثقافة العربية لا زالت في شطرها الأعظم ثقافة ورقية كلاسيكية تقليدية، في عصر يتسم أساسا بإعداد مراسيم وداع «زمن جوتنبرغ» وتحول الكتاب الحالي (الورقي) إلى مجرد قوسين في تاريخ البشرية، مثلما كان الحجر والألواح الطينية ورولو البردي مجرد محطات في تاريخ الكتابة أفضت إلى الكوديكس الحالي الذي لن يكون بالتأكيد المحطة النهائية لتجسيد الإنسان لذاكرته وفكره