|
هذا كتاب في الفلسفة بالمعنى الكلاسيكي
للكلمة.ينبغي أن نفهم من ذلك، تبعا للموروث الثقافي، بحثا في
الأساسي واستفهاما جذريا. وكما يذكر ديكارت أولئك الذين نسوا
أرسطو، أن التفلسف هو بحق "بحث في هذه الأسباب الأولى، يعني في
المبادئ (…)
وإني أظن بأن هذا الأمر يتفق جميع فقهاء الفلسفة عليه".
لكن، لا ينبغي أن نضلل أنفسنا هاهنا، فجنس
الفلسفة قد ضاع، وصدمة التاريخ قد وضعت في الواجهة عبثية
المشاريع الفردية، ورمت بالريب خطابات هذه الذات التي يقال بأنها
مؤسِّسة،
ريب يأتي في الغالب من أمكنة أخرى، من اللاشعور أو من المصالح
الشارطة للذات. سيعلن عن موت الذات التي قامت عليها الفلسفة منذ
ديكارت، مع ضرورة الانتباه إلى لغة وخطاب هذه الذات كنتيجة.
هاتان الخاصيتان الفكريتان هما اللتان تميزان عصرنا الذي تم فيه
اجتثاث الذات من الأساس، وهذا عمل افتتحه في القرن الماضي كل من
نتشه، ماركس وفرويد.
بهذه الكيفية عانقت الفلسفة التاريخ في تسارعه
وعدم استقراره، إلى حد أنها تنظم إيقاع تطورها على نتائج الموضة
ونشرات الأخبار. إنه عصرّ المسلسلات" الذي وصفه هيسHesse
في
Le Jeu des perles de verre.
لقد انتهى الفكر بالخضوع للتفتيت، للانتقالي، منتقلا من
الصالونات العتيقة الماضية إلى الصالون الحالي، حيث تحضر النخبة
المهذبة بالديموقراطيات، عن طريق وسائل الاتصال التي أضحت ضرورية
نظرا لحجم المستمعين. إن الفلسفة، وهي تفعل ذلك، قد تخلت عن
نفسها لصالح سطحية القول ولغياب الصرامة الذي يسمح بقيام اللعب
بالكلمات الأكثر باطنية. لقد فعلت الفلسفة ذلك قسرا، إذ لم يعد
هناك أساس للطريقة الفلسفية يمكن أن يقودها سواء في تساؤلاتها أو
إجاباتها. من الأكيد أنه قلما قل التشديد بعد ديكارت، عن البحث
في المبادئ، حيث الفكر يؤسس ذاته على الوعي بالذات الذي هو نقطة
الانطلاق الديكارتية. وسيكون إسهام كانط مثل تبعه المباشر فيخته
الذي تصدى، مع ذلك، في البحث في أساس هذه الكيفية الجديدة من
النظر، وذلك من أجل ترسيخ مساهمة كانط.
واليوم، مع موت الذات المؤسسة، اختلف الأمر. فلم
يعد من الممكن التفلسف بدون استعادة الطريقة من أساسها. ماذا
تعني، في العمق، الصفة المتفجرة للتفلسف الراهن، إن لم تكن هي
أننا لا نعرف أية أسئلة ينبغي طرحها وكيف ينبغي حلها بصرامة،
نظرا لغياب مبدأ موجِّه؟
وإذن، سيهتم كل واحد بما يريد، يتكلم عنه كما يروق له، ويبحث عن
الضمانات التي هي الآن متوفرة: الجمهور، وإن لم يتوفر، فجمهور
الجامعة الذي يحتفظ بالذاكرة الفلسفية دون أن يغنيها في الغالب.
لم يعد للفلسفة من مخرج رصين غير أن تلجأ إلى رسوخها الذي يؤكده
ماضيها وهي تقيم تاريخا للفلسفة. وللأسف كان لهذا الانطواء نفس
النتيجة سواء بالنسبة للأساسي أو بالنسبة للموقف السابق، يعني
تفتيت وتفجير الفلسفة التي يتوجب أن تكون دوما طريقة للتوحيد
وللأَسْتَمَة.
فكل واحد يتكلم عن كاتب يعجبه. هذا يحب ليبنتز وذاك يحب لوك أو
هيجل، كما لو أن هذه التفضيلات لم يكن من الممكن تبريرها اللهم
إلا إذا بررها المتخصص لسبب أنه يدرس هذا أو ذاك. إن مقدارا من
الرزانة يكون مضمونا بوجود النصوص الكبرى. لكن لماذا هي كبرى؟ عن
ماذا تُحَدِّثُنا؟
هل ينبغي دراستها في ذاتها ولذاتها كما لو أن الأمر يتعلق بما هو
بديهي؟ ألا ينبغي مساءلتها ومفصلة ما تقوله لنا، تبعا للمشاكل
التي نعمل جاهدين على حلها وطرحها حيث تكون هذه النصوص إجابة
عنها؟ في هذه الحالة لا يكون التعسف في الاختيار مبررا اللهم إلا
إذا تم الانكفاء على فكرة طرح أي سؤال من أجل القيام بصناعة
الفلسفة وذلك بالعودة إلى تاريخها. يتم الاختباء، إذن، وراء
الطابع المؤسسي للحلول من أجل تبرير أن المشاكل لا تطرح بصددها.
إن تجزيء الفكر وتقطيعه هو نقيض الفلسفة بامتياز،
رغم المظاهر العكسية في المستوى الذي تكون فيه الفلسفة نَسَقِيَّة
باطنيا. يستجيب هذا التقطيع لفترات الكاووس ليس بأن يجعل منها
صدى (أو محاكاة)، إن لم يكن هذا بفعل التزييف، وإنما بمحاولته في
أن يعطي معنى، عن طريق المُفَكَّك
والمنفصل والمُجَزَّأ،
لذاك الذي لا يمكنه أن يزعم بأنه يحصل عليه. إن المنفصل الفلسفي
هو قول متناقض في التعبير. إنه، تقريبا، مثل ما يراد منا أن
نعتقد بأن البنيات في مجتمع ما في فترة ما، تطفو على السطح في
استقلال عن بعضها البعض، من دون عقلنة عامة، ولكن بإرادة قوانين
داخلية تختلف في كل مرة.
إن اللجوء إلى تاريخ الفلسفة، باختصار، ليس له
مكان داخل الفلسفة، حتى ولو أن الفلسفة لا تستطيع التخلي عن
الإحالة إلى ماضيها. إن مسألة التنظيم المنهجي في مساءلة النصوص،
والتي تحتاج حقيقتها وقيمتها إلى نقاش، هي في حاجة إلى إعادة
بناء. وبالإجمال، فإن الانشغال الجوهري الذي لدينا عن تاريخ
الفكر، لا ينبغي استخدامه كذريعة كي لا يحصل هناك فعل التفكير،
بالرغم من الوهم الذي قد ينتج عن العلاقة بالنص، والذي تنحدر منه
رصانة النزعة الأكاديمية التي تنقص الفلسفة-الموضة، رصانة
بإمكانها أن تجبرنا على هاهنا يقوم فعل مُؤَسِّس
مكتف بذاته. إن هذا الموقف الذي يختزل الفلسفة في أن لا تكون
أكثر من تاريخ للفلسفة يعجز عن اعتبار ذاته فلسفيا من
دون أن يتجاوز ذاته كتاريخ محض. بل أكثر من ذلك،
فتصور الفلسفة كتاريخ للفلسفة عليه أن يفند نفسه إذا ما سهرنا
على صياغته. هذه الصياغة ليست من تاريخ الفلسفة. لكن ماذا تعني
هذه الصياغة أو الطريقة إذا ما قمنا بتدقيقها على الرغم من كل
شيء؟ إنها تفترض، ببساطة، أن المبدأ لا يوجد ولا يمكن العثور
عليه. وبناء على ذلك لا ينبغي أن نبحث عنه. ما هو أكثر خطورة
هو-كما قلت ذلك- أننا لم نعد نعيش داخل ما بعد الديكارتية حيث
تتم رَأَسْمَلَة
تراث يقوم على أسس مقبولة، الأمر الذي يبرر استبعاد البحث عن
مبدأ أول. فالتراث الألماني قد أعطى لنفسه ديكارتا يخصه، وذلك في
شخص فيخته.
كيف ينبغي أن يكون سلب كل مَبْدَإٍ
مَبْدَأً
موجها؟ إننا لا نستطيع أن نتفلسف ونحن نعتبر أن التفلسف بهذه
الكيفية يظل تفلسفا. إن مساءلة مفكر ما تحيل إلى ضرورة تساؤلية
يؤيدها هذا المفكر في أحسن الأحوال، الأمر الذي يقتضي، عند
العودة، تجذير السؤال وتجذير التفلسف فيه وذلك بموضعته بمعنى ما.
سواء تم تبني الطريقة التاريخية فيما يتعلق
بالموضوع أو لم يتم، فإن التفلسف يشتمل دوما على ممارسة السؤال
وعلى الأشكلة. ينبغي، إذن، الوصول إلى عملية اختيار الأسئلة وطرح
أخرى جانبا، كما ينبغي الوصول إلى معرفة الإجابات التي ينبغي
رفضها. إننا نفكر في سقراط. غير أن هاهنا انشغال قار للفلسفة.
وكتاب نقد العقل الخالص يتجذر داخل نفس الانشغال. يكتب كانط في
مقدمة الطبعة الأولى من هذا الكتاب ما يلي: "إن للعقل الإنساني
هذا القَدَر
الفريد، وهو أنه في جنس معارفه، مثقل بأسئلة لا يستطيع تجنبها،
إذ أنها مفروضة عليه من طبيعته ذاتها، غير
أنها أسئلة لا يستطيع أن يجيب عنها لأنها تتجاوز سلطة العقل
الإنساني". سيعترف القارئ المتشبع، في هذا التحديد لتخوم
الأسئلة، وفي التماسه لمعيار حل يقوم على هذا التحديد، بأن
التمفصلات المؤسسة لكتاب النقد تتظم
التنوع الداخلي لهذا الكتاب. إن هذا المعنى للأسئلة نجده
أيضا،ولنفس السبب، في الإمبريقية، يعني أن بداية انفتاح الفلسفات
والمجادلات إنما هي علامة على فقر التفكير أكثر من كونها ثروة
فعلية، وذلك في المستوى الذي تشير فيه إلى نوع من التعسف
والضبابية، وتُلزم
على الإمساك بها عبر استعادة النسقية. إننا نعثر، تقريبا، ونحن
نقرأ مقدمة كتاب "محاولة في الفهم الإنساني" على وصف
وتصوير للوضعية الراهنة: "ليست هناك حاجة لامتلاك معرفة عميقة كي
يتم اكتشاف النقص القائم في العلوم (…)
عن الصخب والضجيج الذي تقبله بأن لاشيء يسير بشكل جيد فيها. فليس
هناك أي شيء فيها لا يكون موضوع نقاش، ليس هناك ما لا تدور حوله
الآراء المتناقضة لرجال العلم. فالمسألة الأكثر اعتيادية لا
تنفلت من مجادلاتنا، بحيث نعجز عن تقديم نتيجة أكيدة لتلك التي
تكون أكثر أهمية. تتضاعف المناقشات وتزداد، كما لو أن ليس هناك
سوى الشك والاحتمال. في هذه الفتنة وهذا الهيجان لا يكون العقل
هو المنتصر وإنما الذي ينتصر هو الفصاحة، بحيث أن لا أحد يكون
يائسا من إمكان الاهتداء إلى تباشير فرضية تكون أكثر غرابة
واختلافا، إذا ما كان بارعا في تصويرها في ألوان مناسبة. إن
النصر لا يحصل بالجنود المدججين بالرماح والسيوف، وإنما يحصل
بالأبواق وبالطبول وبالموسيقى العسكرية". إننا ونحن نقرأ هذا
النص الذي هو متقدم على وسائل الاتصال الراهنة نعتقد أن هيوم
يبحث، كما قال، عن ما يسمح بتقديم نتائج على الأسئلة الأكثر
اعتيادية، وذلك بوضع المساءلة موضع تساؤل.لكن هيوم ينسى،هو نفسه،
أن نقطة الانطلاق تظل بالنسبة إليه، كما هو الحال بالنسبة
لأسلافه، هي الذات، أو بتعبيره هو نفسه، "الطبيعة الإنسانية". إن
التأصيل يحدث، بالنسبة، للوك على مستوى الفاهمة. غير أنه،لنفس
الأسباب -كما يقول-: "ينبغي علينا أن لا نتردد، لمجرد الطموح في
معرفة كونية، في طرح أسئلة على أنفسنا وعلى الآخرين، بصدد
الخصومات والارتباكات المتعلقة بموضوعات لا توجد فاهمتنا من
أجلها ولا تستطيع أن تكون عنها في الذهن أي إدراك واضح ومتميز
بصددها".
اليوم، حيث البداهة الديكارتية عن أنا خالص، قد غابت بفعل موت
الذات، وذلك مثل الأساس الأرشميدي، ولقطاء هذه البداهة، سواء
كانوا إمبريقيين أو كانطيين، فإنه يكون من الملائم أن نتسائل حول
المساءلة نفسها بما هي كذلك، من دون أية مواربة، إذا ما أردنا
الوصول إلى معرفة أية أسئلة ينبغي طرحها، وكيف نرسم تخومها عن
تلك التي لا تقبل الحل ، مكتشفين ما ينبغي أن يكون حلا.
يبدو أن هذا هو ما سيشكل، منذ الآن فصاعدا،
المهمة الطبيعية للفلسفة. لكن هل من الممكن، فيما وراء التبريرات
الميتودولوجية، واعتبارا للتغير التاريخي، أن نؤكد بأننا نلتقي
بهذا في المطلب المبدئي للفلسفة؟ على أي حال، لا ينبغي السقوط في
الخطاب المألوف لوجهة النظر، وللذاتية (الناجمين عن موت الذات،
كما رأينا ذلك). فإذا كانت مُسَاءَلَة
المُساءَلَة
تفرض نفسها، فإنه ينبغي أن تكون لدينا القدرة على تأسيسها، وليس
أن نثبت بأن هذا السؤال هو من بين الأسئلة الأخرى يكافئها في
القيمة، ولو أنه يعارضها في هذا الباب.
من المهم، نتيجة لذلك، أن يحصل السؤال حول ما هو
مبدئي، ما هو أصلي، حول ما يأتي في المحل الأول، وذلك قبل أن
يجري التورط في تساؤلات خاصة، أيا كانت(طبيعتها). إن ما يفرض
نفسه كأول في التساؤل حول ما هو أول إنما هو المساءلة نفسها،
وذلك من خلال السؤال العام الذي يتم طرحه. لهذا السبب تكون
المساءلة مبدأ الفكر نفسه، مبدأ الفلسفة بلا منازع. هذا يعني أن
قدرة الإجابة، تعني، كما هو الحال بالنسبة لهدفنا، قدرة الإجابة
عن نقطة البداية نفسها، إجابة تحيل على السؤال الضمني، أي على
المساءلة. لا يمكن أن تكون هناك إجابة أولى إذا لم تؤكد،هي
نفسها، أَوَّلِيَّةُ
المُساءلة،
وإلا فإنها تدمر ذاتها كإجابة أولى، وتصبح بذلك تناقضا، إذ أنها
بذلك تفترض مسبقا شيئا لا تِؤكده، ويقال عنه بأنه عنصر أول.
إن الفلسفة هي مساءلة جذرية، إذ أنها تعتبر المساءلة نفسها
تيمتها الأولى. لقد كان على اليونانيين أن يطلقوا عليها حرفيا
اسم الإشكالتية لو كانوا قادرين على تفكير المساءلة نفسها، لكنهم
لم يكن ذلك في استطاعتهم. وسوف نرى، فيما بعد،ما السبب في ذلك.
إن الفلسفة، وهي تقوم بكبت مبدأها النشيط الذي هو
المساءلة، تصير شيئا آخر. إن فحصا بسيطا للتاريخ يُعَلِّمنا
أن المساءلة لم تكن، قط، تيمة تخص الفلسفة (وحدها)، لكن الفلسفة
(مع ذلك) لم يكن من الممكن أن ترى النور، أو تستمر، والحالة هذه،
من دون أن تستعمل المساءلة في ممارساتها. هكذا نشاهد السؤال الذي
لم تتم صياغته تيماتيا قد اتجه نحو شيء آخر غيره. ما الذي سيسفر
عن نتائج هذا اللا-صوغ التِّيمي
non-thematisation
للمسائلة الجذرية من طرف الفلسفة؟
سوف يكون تحرير الإجابات في قضايا أمرا لا مفر
منه، إذ الخطاب الذي تنبعث منه الأسئلة لم يكن مُفَكَّرًا
فيه في علاقته بهذه الإجابات، فهذا الخطاب يتم النظر إليه في
ذاته كما لو كان يوجد من أجله لذاته ويدرس ذاته بذاته، إن لم يكن
من أجل ذاته. لقد كان من نتيجة هذا التحرير للإجابات في قضايا أن
تصير الحقيقة هي الخاصية الجوهرية التي تنسب إليها. (ومن تمة
فإن) فكرة الحل تسقط تحت سيادة ما سأطلق عله اسم النموذج القضوي
للعقل. ينبغي أن نفهم من هذا النموذج ذاك الذي سيظهر شيئا فشيئا
مع أفلاطون وأرسطو في معالجة القضايا: الرابط الجدلي والعلمي المُوَحِّد
مع أفلاطون، والمنقسم إلى جدلي، غير علمي وخطابي، من جهة،
ومنطقي،من جهة أخرى، مع أرسطو.
إن ما هو مشترك بين أفلاطون وأرسطو هو أن الرابط
القَضَوي،
الذي يكون في الجدل ضعيفا وفي المنطق قويا، إنما هو من طراز
التبرير، من حيث إنه يقيم حقيقة قضية ما ويقوم بتثمينها. هذا
الانشغال بالتبرير هو نتيجة حتمية لِخِطَابِيَّة
discursivite(خطاب
استدلالي) لا تتحدد إلا بنتيجة نشاطها الخاص، نشاط يمتص في ما
ليس بجوهري، ويتعين كظاهرة سيكولوجية وذاتية. وسيقاس الخطاب، من
الآن فصاعدا،بمقياس النتيجة التي تبرر نفسها كنتيجة، وبالتالي
تبريره في حقيقته المستقلة، أي في الحقيقة التي تجعله مستقلا.
لهذا (السبب) تكلمت عن النموذج القضوي للعقل، وليس عن اللغة.
واليوم هناك ميل يرى في القضية كيانا لِسْنِيًّا،
وعند الاقتضاء، يرى فيها كيانا منطقيا وسيمانطيقيا. غير أن هذا
يعد ثمرة تأمل حول اللغة باعتبارها مشروعا بذاته، مشروعا حديث
العهد من الوجهة التاريخية، إذ أن اليونانيين لم يكونوا بقادرين
على معرفته، كما بينا ذلك. فعندهم يعتبر اللوجوس هو الكلمة التي
تعين العقل باعتباره خطابا، وهم يستعملون هذه الكلمة بدون تمييز،
إذ النموذج القضوي الذي يقوم بالتبرير له قوة إعطاء المبررات
التي تكون قادرة على الإفحام. بهذه الطريقة أصبحت الفلسفة علما
قبل أن تتمكن من تمييز نفسها عنه.فالانشغال المعرفي الإبستمولوجي
للفلسفة إنما يتعلق بالتبرير باعتباره نموذجا للعقل. هذا
الانشغال نلاحظه، بوضوح جيد، عند أفلاطون، حيث يستحق العلم عنده
مقاربة خاصة بتوسط المنطق الذي سيصبح مع أرسطو نظرية في القياس.
لم تبق الفلسفة تحسب نفسها كعلم لزمن أطول، كما
أنها لم تستطع الانفصال عنه حقيقة. من هنا، الوضع الغامض لهذا
العلم الذي يتم البحث عنه، والذي كان هو الميتافيزيقا أو الفلسفة
الأولى عند أرسطو. إن النموذج القضوي هو الذي يضع الفلسفة والعلم
بالفعل في صف واحد، ويرتبهما داخل نظام التبرير بلا تمييز. إن
هذا يعد نتيجة غياب الصوغ
-التيمي
للمساءلة الفلسفية الجذرية من طرف الفلسفة نفسها. وبما أن
الفلسفة هي هذه المساءلة التي تكبح نفسها في موضوع ليس هي ويتم
تأصيله في الوقت ذاته داخل الممارسة التساؤلية وفي التصور
الملازم لها، فإن هذا الموضوع يصير مفكرا فيه قسرا كعام. إنه
الوجود، إن أردنا ذلك.هذا ما يفسر كون الفلسفة، على عكس العلم،
تعمم رؤيتها للموضوع أو للوجود وهي تركز نظرتها، ليس على هذا
(الشيء) أو ذاك، أو حتى على نمط معين من الظواهر، وإنما على
موضوعية الموضوع، على ظاهرية الظاهرة، على وجود الموجود. سيكون
هناك، إذن، (والحالة هذه) ما يجعل من الموضوع أن يكون موضوعا،
وما يجعل من الظاهرة أن تكون ظاهرة، وما يجعل من الأشياء أن تكون
على ما هي عليه. غير أن النموذج القضوي يظل باقيا، إذ الأمر
يتعلق دوما (في هذه الفلسفة) بالتبرير، يتعلق ب "الأمر الذي يجعل
من..". إن العلم يهتم بموضوعات خاصة، وتهتم الميتافيزيقا
بالموضوع على العموم، وهما يعتبران فلسفيين، كما رأينا ذلك
أعلاه، وينجم عن ذلك،أن نطلق على هذه الأخيرة اسم الفلسفة الأولى
إذ منها ينحدر العلم الذي سيتميز، تقريبا، تحت اسم الأنطلوجيا
الجهوية. الأنطلوجيا العامة هي، إذن، فلسفة أولى. لكن ما
وراء-الفيزياء لم يستطع الانفصال عن قواعد العلم وهو يطبق على كل
فلسفة، اللهم إن كان ما يطبق في تلك الفترة هو العكس. مع انبثاق
العلم الحديث أظهرت النهضة الاختلاف، إن لم يكن التعارض، الذي
سيتأصل، في عصرنا، بين العلم والفلسفة،غير أنه إن مزجنا بينهما،
كما حصل ذلك في القرن الثامن عشر، فإن ذلك يعني، والحالة هذه،
الحديث عن الاستحالة المتزايدة للفلسفة الأولى.إن العلم
يتقدم،لكن الفلسفة(الأولى)تتحرك في مكانها.مع كانط سيحصل الطلاق
بينهما بصورة واضحة.وسيبدأ العلم،شيئا فشيئا،يمتص أسئلة
الفلسفة،وتصير الأسئلة الفلسفية الأخرى،شيئا فشيئا، هي هذه
المشاكل التي لا تقبل الحل، والتي تتكرر، منذ غابر الأزمان،في
عدم قابليتها للحل.
وهكذا، فإنه بفعل التأخر الواضح للفلسفة، صار
الاختلاف بينها وبين العلم أكثر حدة بحيث تحول إلى مشكلة.
إن الفلسفة،
وهي تجهل نفسها بأنها إشكالتية، لم تكن قادرة على
تفكير ذاتها على ضوء نموذج آخر يعيد الاعتبار إلى خصوصيتها
الذاتية، ويسمح بقبول،
بل وبتفضيل،
نوع من الخطاب الذي يعبر عن الإشكالي،
بدلا من الخطاب الذي يسعى كل مرة إلى امتصاص
الإشكالي في الحل الذي يقوم بإلغائه.
إن الفلسفة تقدم إجابات.
لكنها ليست إجابات،
إذا ما رأيناها،
عن قرب،
على ضوء النموذج القضوي للغة،
يعني على ضوء العلم،
يعني العقل.
إن الأسئلة الفلسفية التي لا تفكر التجذير الذي
تشتمل عليه وتشتغل عليه،
إنما تتجه نحو شيء آخر غيرها،
وهذا ما يجعلها تتحدد كأنطلوجيا ويجعلها هذا
(التحديد)
في خصام مع العلم،
مع كل التبعات التي تنجم عن ذلك والتي نعرفها.
لكن هناك اختلاف يلعب لعبه في المسائلة التي تضم
العلم والفلسفة معا.
ونظرا لعدم توفر إشكالتية تعيد الاعتبار لهذا
الاختلاف،
فإننا لا نلاحظ،
هنا وهناك،
إلا قضايا تحتمل الصدق والكذب أو الحقيقة والخطأ،
بحيث تقارن مع قضايا أخرى وتقارن بها.لكننا
نصطدم،
هنا،
بالطابع الإيجابي والفعال للعلم والذي ينقص
الأنساق الفلسفية.
في الواقع أن هذه (الأنساق)
تحيل إلى صوغ إشكالي يعمل عبر قضايا تعتبر بأنها
إشكاليات-منطقية
problemato-logiques،
يعني أنها تعبر عن الصوغ الإشكالي في الوقت الذي
تجيب عنه.
إن هذه الطبيعة المزدوجة
(للإشكاليات المنطقية في الفلسفة)
للإجابة وللتعبير تظهر بشكل واضح،
إذ أن القيام بصياغة مشكلة ما في الفلسفة يعني
تقديم حل لها،
ذلك لأن فعل الأشكلة هو هدف الخطاب الفلسفي.
سيكون من العبث أن نندهش في كون الفلسفة تديم
مشاكلها،
إذ أنها تستجيب لهذا
(الأمر).
ولما كان العلم يلغي المشكلة عندما يقدم لها حلا،
فإن الفلسفة
(والحالة هذه تنفصل عنه).
ما سيكون في العلم ضعيفا يصبح في الفلسفة،على
العكس من ذلك،
ثروة حقيقية.
هناك ما هو أكثر من هذا:
أن تؤخذ المشكلة الفلسفية،
في صياغتها وتقبل،
كإجابة،
معناه أنه ينبغي على الفلسفة أن تطرح مشكلاتها في
إطار صوغ إشكالي يلغيها،
يعني يلغيها كإجابة وفي ذات الوقت يحتفظ بها.
نفهم من ذلك أنه ليس من الممكن فصل المشكلة عن
الإجابة التي تحضر فيها،
الأمر يفرض على الفلسفة أن لا تفترض بشكل مسبق أي
شيء
من خارج، من جراء أنها لا تفترض أي شيء
بشكل مسبق. إن هذا، بالتأكيد، تعريف كلاسيكي، إذ أننا نجده، كما
هو، عند هيجل، ولكن يمكن ملاحظته،
قبل
ذلك، كمطلب أعلى مع أفلاطون، وذلك في اتجاه البحث عن مبدأ لا
افتراض
anhypothetiqueالأمر
الذي يجعل من الفلسفة أن تكون في موقع أعلى من العلوم التي لا
يمكن أن تتحرك إلا انطلاقا من الافتراض،
كالهندسة،
على سبيل المثال.
إن كل هذا
(الذي قيل)
ينطوي ويستتبع أن تكون الفلسفة موضوعها الخاص،
هذا ما كانت عليه دوما بلا شك،
ولكن بصورة محرفة،
إذ لم يحصل هناك سؤال يتعلق بالمسائلة
(نفسها).
لقد حصل هذا السؤال،
لكن بشكل غير مباشر،
عبر الأنطلوجيا،
وليس عبر الإشكالتية.النتيجة بالنسبة إليه
(أي بالنسبة للسؤال) هي أن تصمد الفلسفة أمام
مناقشة،
لا تطاق،
مع العلم،
ولاسيما وأنهما-
وهذا من باب العبث-
ليسا في نفس المستوى من جهة الإجابات.
هكذا لوحظ التخلي عن الميتافيزيقا وانفصالها،
تقريبا،
عن الفلسفة التي استمرت في الارتباط بالعلم
وبالاستناد عليه،
والذي يتوجب عليه أن يقوم بحل المشكلات.
لقد أقام كانط،
على سبيل المثال،
هذا الفصل بين العلم والفلسفة ضد الميتافيزيقا
التي يمكن أن نقول عنها بأنه يدحضها بمقدار ما يقوم بتأسيسها
داخل القدر المحتوم للسؤال الذي يتجذر في طبيعة العقل.
تتكافأ الأطروحتان في ما تنطويان عليه وتشتركان
فيه بشكل متبادل.
إن هذا لا يحول دون أن تتجه الفلسفة-التي تبين
أنها لا تستطيع التخلي عن الفلسفة الأولى،
إذ أنها أساسا ميتافيزيقية
-أكثر فأكثر نحو صوغ أنطلوجي لأسئلتها إلى حد
الإفراط الذي يتماهى،
اليوم،
مع الأنماط الأكثر تغيرا.
من هنا حصلت خيانة الفلسفة،
وبالتالي ينبغي أن يعاد إليها المبدأ وأن تتخلص
من صوغها الإشكالي،
وهي تحقق وجودها العميق الذي ليس هو المساءلة
فحسب وإنما مساءلة جذرية،
إذا ما أردنا أن لا تتشوه في جواب مختبئ.
عندما نقول بأن على الفلسفة أن تكون،
بذاتها،
موضوعها الخاص،
فإن هذا يبدو عبثا،
اللهم إلا إذا قبلنا الفكرة القديمة.
معنى قصدنا هذا دقيق جدا،
وإني أرى بأنه قصد واضح.
فالأمر هنا لا يتعلق بالدفاع عن الأطروحة التي
تقول بأنه ينبغي للفلسفة أن تتحرك في الفراغ وهي تتساءل من دون
نهاية عما تستطيع ويتوجب عليها أن تفعله،
وتقوم،
بعد ذلك،
بتكريس المحتوى الإيجابي لطريقة التأمل هذه.
ما أريد قوله هو أكثر مباشرية.
إن الفلسفة هي مشكلها الخاص بها،
سواء في وجودها أو إمكانها.
إن الأمر يتعلق هنا بواقع تاريخي،
أردنا ذلك أو لم نرد.ينبغي على الفلسفة،
من جراء ذلك،
أن تتساءل حول مصادر الصوغ الإشكالي من أجل
استخدامه.
أن يكون الفكر،
بالنسبة إلى ذاته،
مشكلة،
فإن هذا معاينة تاريخية،
وينبغي الوعي بهذا الأمر.تصبح المساءلة الفلسفية،
إذن،
هي تركيز الانتباه على الصوغ الإشكالي،
بصورة فلسفية،
أي جذرية،
ومن دون أي افتراض مسبق.بصورة فلسفية،
يعني أن لا نقف عند مجرد مساءلة المساءلة فيما
تترجمه من اضطراب حالي للفكر،
وإنما بأن نطرحها لذاتها وانطلاقا من ذاتها فيما
تعرضه من إجابة.
ما ينبغي معرفته،
إذن،
هو أن نرى فيما إذا كانت هذه المساءلة قائمة على
مبدأ وعلى أساس.
بهذه الكيفية ننتقل من المستوى التاريخي إلى
المستوى الميتافيزيقي بالمعنى الدقيق،
الشيء الذي يعطي قيمة محددة لعودة الفلسفة إلى
وجودها الخاص.
إن هذه القيمة مزدوجة،
فهي تسمح بعودة التفكير في الفلسفي إلى مطلب
تأسيسي،
وذلك بعد أن يتم إدراك ما يعرضه هذا المطلب من
(ما هو)
تاريخي.
أن تكون الفلسفة قد انسلخت من أساسها بفعل صيغ
تيمية متفرقة ومشتتة،
فهل يعني ذلك القول بأنها قد تاهت وأخطأت؟
لا يتعلق الأمر بتيه ولا بنسيان،
وإنما يتعلق باستحالة تاريخية.
لم تكن فلسفات الماضي أخطاء،
لأن الأسئلة التي تستهدفها لم تكن في طبيعتها أن
يتم التفكير فيها،
وإنما أن تجد لها حلولا،
لم
(تطرح)
كي يتم البحت فيها وإنما كي يعثر لها عن حل.
وينتج عن ذلك أن الحل لا يتكلم عن نفسه كحل وإنما
يقول ما هو الحل،
وهذا أمر مختلف.يلغي السؤال نفسه في الإجابة التي
لا تقول بأنها إجابة وإنما تؤكد
(فقط)
ما يتوجب عليها أن تقوله بدون أن تقول بأنها
تؤكده.
من العادي أن الإجابة لا تقدم تقريرا عن نفسها
باعتبارها إجابة،
ومن تم فإنها لا تعكس كيفية إرجاعها إلى أي سؤال
كان،
حتى ولو هذا السؤال جذري في ما يطرحه من مشكلة
التجذير بصفته مشكلة.
من الطبيعي أن تكون الإجابة إثباتا لشيء آخر غير
ما هو عليه،
لشيء تجعل منه أن يكون إجابة.
إن الفلسفة،
وهي تجعل من المساءلة موضوع تفكيرها،
لا تفعل سوى أن تثبت ذاتها باعتبارها ردا
répondre،ولكنه
رد يجهل نفسه كرد.إن الفعل الخلاق في وضع التخوم لخصوصية
الفلسفة،
ينشأ من تعدد الإجابات الممكنة،
من كون أن المشكلة لا تستنفذ،
بحيث تمنح الولادة لحلول أخرى وهكذا دواليك.
يتوقف إمكان هذه البنية على أن يكون الرد
( الجواب)
الفلسفي إشكالتيا،
يعني رد يضع في الجواب ما يكون مؤشكلا
problematise،
وما يكون مؤشكلا،
من حيث هو كذلك،
يتم حله في رد إشكاليتي.
إن الرد الإشكاليتي هو بالطبع صوغ إشكالي،
وبالتالي لا يكون له،
مثل أي سؤال،
إلا جواب واحد ممكن.
فتعدد صياغة مشكلة فلسفية ما
(مثلا:ما هي الحرية؟)
يحيل إلى أنساق متعددة في القانون،
حيث تجد نفسها مصاغة مفاهيميا،
وتكون معرّفة
ويتم إيجاد حل لها داخل هذا النسق (القانوني).
سؤال الحرية سيطرح بشكل مغاير عند كانط وماركس، على سبيل المثال،
إذ أن كل فلسفة من هاتين الفلسفتين تنظر إلى الحرية وتقاربها،
على طريقتها، على ضوء الإنارة المفاهيمية الداخلية لكل منهما-
فتعالج الحرية موضوع السؤال. لا بد أن يكون الصوغ الإشكالي
شموليا (فيهما) وأن يحصل فيهما من حيث هو رد إشكاليتي، وإذن،
سؤال وجواب متمايزين بفعل الالتفاف حول الذات. إن الصوغ الإشكالي
الذي يحمل في ذاته تمايزا مقترحا، سيقدم، بذلك، جوابا على السؤال
الذي يطرحه. ولهذا السبب، فإن كانط وماركس، كي نأخذ نفس المثال،
يقدمان حلا لمشكلة الحرية، كما يصيغانها، وكما هي مصاغة. لكنهما
لا يستطيعان استنفاذها، لأن هذا الرد (أو الحل) هو، بالضبط،
إشكاليتي بصورة خالصة.
إن هذا، هو بخلاف الأنماط الأخرى من الإجابات
التي سنطلق عليها، بفعل الانشغال بالذاكرة اليونانية، بأنها غير
احراجية ولا نقديةapocritiques،
تلك التي تقوم بحل المشكلة وتلغيها.لكن إن أمكن أن نلاحظ بأن
الأسئلة في الفلسفة لا تلغى، فهل نستنتج من ذلك فشلا يقوم داخل
الفلسفة يجعلها باطلة، حتى ولو استشعرنا ضرورتها وجوديا؟ من
الواضح أن الإجابة عن هذا السؤال، بحسب المقاربة الإشكالتية،
بالنفي. فليس في الفلسفة تصاعد ولا مظهر تراكمي في الإجابات كما
هو الحال في العلم، لسبب بسيط، هو أن طبيعة الإجابات (فيهما)
مختلفة، ولا تترك نفسها (في الفلسفة) تختزل في نزعة قضوية
propositionnalisme.إن
ما يميز الإجابة الإشكالتية، هو أنها تهشم اللامفكر فيه في فكر،
وترسم المبادرات وتخلق فضاء للعلاقة وللمعنى، وهذا هو الحل الذي
تحمله، وليس الحل الذي نفهمه في دلالته العادية، بمعنى أن
الإجابة غير الاحراجية، كما اسميها، تسد الباب أمام البحث، وتقوم
بكبت الإشكالي، فهي تتخلص منه بدلا من أن تتعمق فيه وتبحث فيه
وتخرجه إلى النور. إنها تصلح كأساس لسؤال آخر. وهكذا دواليك.
تتوارى الأسئلة وتتراكم الإجابات. إن الوهم الذي تقيس به الفلسفة
نفسها بهذا المعيار إنما يرتبط، طبعا، بكون أنها لم تتصور
أسئلتها بصورة إشكالتية، ومن هنا حصل النقد الموجه إلى المعيار
العلمي. لم يكن للفلسفة، وهي تطرح أسئلتها دوما بكيفية غير
إشكالتية، أن تساءل المساءلة، وإنما(على العكس من ذلك) انحرفت
واستدارت نحو خارج ما، حيث ستتخذ مكانا لها في مواجهة ومنافسة
العلم، فجعلته بذلك ممكنا.
إن تعدد الإجابات في الفلسفة يكشف عن خصوصيتها،
لكن هذا التعدد هو تاريخي محض.
تشكل التاريخية والمساءلة زوجا يتم تصوره
إشكالتيا،
أي باعتباره فلسفيا وأساسيا.
إن التاريخ هو وحده الذي يبين أن المشكلات تستمر
في الفلسفة داخل الرد وبالرغم منه،
إذ أنه يختلف
(كل مرة)
في المحتوى الذي يظهر هو وحده،
على الرغم من أنه يتركب من إجابات.
وإذن،
فإن الفَلْسَفِيّ
لا يفرض ذاته، من حيث هو رَدّ،
إلا بعديا، أي إزاء النظرة المُؤَرْخِنَة
التي تكونها الفلسفة عن نفسها. إذا ما حصل انقلاب على القراءة
التي تحملها التاريخية معها، فإنه سيتم كبت المساءلة من حيث هي
مبدأ، ولن نرى فعلها ذلك. وبالنتيجة، فإننا سنعجز عن أن نفكر
(المساءلة) بما هي كذلك. فلا نجد أمام أنظارنا إلا تمظهراتها
السيكولوجية أو اللسانية، لكن طبيعتها الفلسفية الأساسية، التي
تؤسس الفلسفي، ستنفلت عن الفكر ذاته. وسوف تظهر الإجابات
الفلسفية المتتالية، إذن، كقضايا غير مُبَرَّرَة،
وغير مبررة بخاصيتها المتنافرة التي تجعلها متعارضة فيما بينها،
متعارضة بشكل جدلي كما هو الحال عند هيجل. سوف تكون الإجابات
تعبيرا حرا عن فردانيات مفككة. وسوف يتم الحديث عن اسبينوزا أو
عن لوك، إذ سوف لن يرى في فلسفتيهما سوى انعكاس لعبقرية مبدعة،
وليس إجابة قبل كل شيء، يعني رؤيتهما كتاريخي. ما ينبغي علينا أن
نعرفه، وسيكون هذا هو موضوع الفصل الأول، هو لماذا أصبحت
الإشكالتية ممكنة اليوم؟ لقد أصبحت الفلسفة، فعلا، منقسمة ومفككة
تحت الضربات الموجعة للقوى العدمية للعلم وللتسارع التاريخي، لكن
أيًّا
ما كان العصر فإنها لم يكن لها أن تتصرف بشكل مختلف. يقوم
التاريخ بإعادة تجميع قوى الانحلال هذه، ويكشف بذلك، بمزيد من
الوضوح، عن النقص الأصيل الذي يظهر كذهول يطرح مشكلة. تفرض حقيقة
المساءلة نفسها عبر مستويات وأشكال حاصلة في الكبت، إذن، في
التعبير عن هذه المساءلة نفسها الحاضرة بشكل كامل في أساس النشاط
الذهني. لهذا السبب تمكنت الفلسفة، ولزمن طويل، من أن تظهر كلعب
حرّ
للفردانيات الكبرى التي تتعارض فيما بينها، والحال أنه ليس هاهنا
سوى صوغ ظاهراتي للتاريخ والذي يتراجع أو يكبت داخل أشكلته
الأصلية الضاغطة والتي تظل، مع ذلك، متغيرة.من هنا مظهر
استقلالية واعتباطية الأنساق الفلسفية، مظهر يشكل تعبيرا عن كبت
مساءلة تتجزأ في إجابات لا تفكر نفسها كإجابات. وليست الحرية هنا
سوى أن الفلسفة تفرض نفسها بما هي كذلك، مستقلة عن كبت مساءلة
منعكسة، ولكنها مساءلة تتحول تاريخيا بلا نهاية، ومن تم تصاغ
بشيء آخر في شيء آخر. والحال أنه ينبغي التفكير في هذه الحرية
باعتبارها رابطا للتاريخ كإجابة عن ما يسمح به ويقتضيه. إن
الحرية، إذن، هي ضرورة التاريخ من حيث هو كبت للمساءلة بما هي
كذلك: إنها فلسفة في تعبيرها بالضرورة. فالوهم إنما في أن نرى في
الحرية مجرد حرية لذاتها، بدلا من نرى فيها إمكانا مفروضا من
خارج يمكن أن نخفق فيه، ومن هنا حريتنا في أن نفكر في الضرورة.
باختصار، فإن الاستقلالية بالنسبة إلى التاريخ هي تاريخية. إنها
تنمحي بالتدريج منذ القرن التاسع عشر لأسباب هي باطنيا تاريخية،
أسباب متولدة من تسارع التغير ومن إدراكه، وبالتالي بدمج
التاريخي بالفلسفي كمطلب لعودة الفكر إلى ذاته. غير أن الفلسفة،
نظرا لعدم قدرتها على إعادة تأسيس نفسها في عملية تمفصلها مع
التاريخي متمركزة حول المساءلة، ستضيع فيه (أي في التاريخي). إن
الفلسفة وهي تتخلى عن الفلسفة الأولى، وهو أمر قد تقرر منذ كانط،
سيجعل من الفلسفة بمثابة استحالة تفكير المبدئي، وسيجد مبدأ هذه
الاستحالة معقوليته في التاريخانية الهيجلية.
يحيل النقاش الدائر حول فلسفة أولى وأخرى ثانية،
إلى الاختلاف بين الميتافيزيقا والفيزياء، بين الفلسفة والعلم.
الفكرة التي يتضمنها هذا النقاش هو أنه بإمكان الفلسفة أن لا
تكون أولى، ولكن ليس بإمكانها أن تكون شيئا آخر إذا لم تكن أولا
أولى، يعنى أن تكون مساءلة جذرية تتجه نحو المبادئ الأولى. لكن
ماذا ستكونه الفلسفة إن أهملت أو نسيت هذا الانشغال بالتَّجْذِير؟
إنها ستقع في نفس الميدان الذي تقوم فيه الأنطلوجيا العلمية،
ستخصص في واحدة من الأبحاث الخاصة أو في أخرى، وتكون من تم هي
الخاسرة بالضرورة، إذ أن كيفية تساؤلها سيجلب نمطا من الإجابات
التي تستبعد الحقيقية غير القابلة للمناقشة والفعالية التقنية
المرتبطة بها.وحتى، عندما يتعلق الأمر بالحديث عن الذات، فإن
الأدب سيصل إلى استخراج الخاص ويقترح ما يشخصه من كونية، بشكل
أفضل من الفلسفة.
وبالإجمال، فإن النقاش المشار إليه أعلاه ينفتح على انشقاق بين
الميتافيزيقي والفلسفي،أردنا رؤية ذلك أم لم نرد، وسينتصر هذا
الأخير شيئا فشيئا على الأول، مؤكدا عقم "العقل الخالص" داخل
البحث الفلسفي.
هل سيتم إنقاذ الفلسفة بتخليصها من الميتافيزيقي؟
ليس هاهنا أي شيء مؤكد. فالمعضلة التي كانت تطرح، منذ غابر
الأزمان، غير قابلة للحل، وذلك بفعل النموذج القضوي نفسه. فإما
أن تعطى للفلسفة فعالية مماثلة للعلم، وذلك بترتيبها وراء العلم
وأن تستخلص منه منهجه، من دون أن تكون قادرة من حيث الأساس على
تطبيقه.ستكون الفلسفة، والحالة هذه، ثانوية وتابعة للعلم. لكن ما
الذي يستطيع العلم أن يقوله ولا يقوله بشكل جيد بالطبع؟ ربما أن
(هذه الفلسفة الثانية) تستهدف الإبانة عن فرضياته المسبقة وعن لا
مَقُولِه.
لكن ما ذا سيكونه مشروع مثل هذا؟ من الطبع أن يستغني العلم عن
مثل هذه النتائج الفلسفية والتي، وإن كانت تستهدف الإبانة عن
العلمية بما هي كذلك، فإنها بالنسبة إليه زائدة وغير نافعة. وعلى
العكس من ذلك، إن كان الأمر يتعلق بتبرير النموذج العلمي للعقل
باعتباره اللوجوس الوحيد الذي يكون دالا، فإن هذه الطريقة (في
التبرير) هي نفسها غير علمية، وسوف تدحض نفسها في الحال. إن
النقاش الميتا- نظري حول الأسس
قائم، إذن، داخل العلم ودائما. وإما، وهذا هو
الإمكان الثاني، أن تنفصل (الفلسفة) عن العلم بحيث تصير
ميتافيزيقا كعنصر يميز بينهما، وتصبح الفلسفة فلسفة غير متجانسة.
إن هذه الزواية
الثانية عن الاختلاف بين الفلسفة والميتافيزيقا لا تستقيم هي
أيضا بدورها. فالنموذج القضوي للعقل سيجعل من النمط الخِطَابي
للميتافيزيقا نمطا فاشلا، على اعتبار أن هذا النموذج يجعل من
نفسه معيار كل خطابية ممكنة. إن الميتافيزيقا تصير بالفعل فلسفة
أولى، في ارتباطها بخطابية تمتلك، لوحدها بصورة أحسن، إيجابيات
ما ننتظره من الخطابية على العموم. إنها تؤسس ما ليس في حاجة إلى
تأسيس. ماذا تؤسس بالضبط، إذن؟
لا ينبغي للمطلب المبدئي للفلسفة، وهو مطلب يُعَرِّفها،
أن يُرَدّ
إلى نموذج لا تأخذه هي بعين الاعتبار ويدينها. فمن باب التناقض
أن نرى في فكرة المبدأ أساسا للأشياء أو أساسا للخطاب حولها، لأن
هذه الفكرة نفسها تفترض محتوى غير مُؤَسِّس
ويوجهها من دون أن تتساءل حوله. إذا ما تم التساؤل حول هذا
المحتوى فإن هذه الفكرة ستسقط،حينئذ، في أولوية المساءلة. أن
يتمكن المبدأ من أن يتصور أنطلوجيا، بتوسط الخطاب من حيث هو
ratio cognoscendi
أو بتوسط الواقع باعتباره
ratio essendi
فإن ذلك هو ثمرة نزعة قضوية أولية. وبالفعل، فإن الأمر يتعلق
بتبرير مجموعة من القضايا باعتبارها صادقة، وهي قضايا غير
متماسكة فيما بينها إلا بفعل تبريرية تجعل القضايا متسلسلة فيما
بينها بحيث تكون كل واحدة منها مبدأ الأخرى.
داخل هذا النموذج القضوي الذي يجعل من التبرير
طبيعة اللوجوس، تُم
التساؤل حول المبدئي، بدلا من أن نرى، على العكس من ذلك، فيما
إذا كان من طبيعة المبدئي أن يولد مثل هذا اللوجوس.
إن تساؤلنا يتعلق بهذا الانقلاب الميتافيزيقي عند
أفلاطون وأرسطو. فاستعادة الفلسفة كميتا-فيزيقا، هي استعادة تُعَرِّف
هذه الأخيرة كإشكالتية وليس كما وراء الموجود (الفيزيائي)،
استعادة تجعل من الضروري القيام بصوغ نظري جديد للوجوس. يتعلق
الأمر (هنا) بانفتاح الفكر على نموذج آخر ليس هو التبرير، وإنما
على نموذج قائم بكل بساطة على العقلنة. إن تقديم الأسباب عن فعل
التفلسف والعمل من تم بصورة نقدية معناه استعمال للاستدلال
الإشكاليتي الذي يحدث تمفصلا بين الأسئلة والخطاب الذي تأخذه
بعين الاعتبار. وإذن، فإن العلم ومنهجه سوف يرتسمان كجهة لهذا
الاستدلال الإشكاليتي، فلا يعودان إمكانا وحيدا ولا مقياسا. إن
هذا الصوغ الجهتي
modalisation
لهذا الاستدلال ينتمي إلى الإشكالتية، ومن تم يمكن الحديث،
بالضبط، عن تأسيس فلسفي. هذا الصوغ التصوري لما هو علمي يقصي
وينافس احتكار العقلنة من طرف العلم. ينتمي الحل العلمي إلى
النظرية العامة للمشكلات، غير أنه يندرج ضمنها بكيفية خصوصية.
وحينذاك لن يكون من المسموح به التفكير في العلم في انعزال. وهذا
يسري على العلم نفسه بأن يفكر نفسه في انعزال. ولم يعد التشييد
الفلسفي يشتمل على القيام بصوغ أنطلوجي
ontologisation
للمبدأ الذي يتوجب على العلم أن يقوم عليه،
بحيث يقوده إلى رؤية ذاته كما لو كان يقوم على
الميتافيزيقا داخل
"شجرة ديكارت"،
حيث يقود هذا إلى نتيجة مؤداها أن
"ملحدا لا يمكنه أن يكون مهندسا" وهي نتيجة
عبثية.
بإمكاننا أن نفكر في كانط الذي افتتح ما سوف يكون
هو المأزق الأكبر للفكر المعاصر.
فبالنسبة إليه،
لم يعد التشييد أو التأسيس الفلسفي يشتمل على
تثمين العلم.
وفي هذا لا نستطيع أن نرى في كتاب نقد العقل
الخالص
"نقطة انطلاق لتأسيس الميتافيزيقا"
كما يقول هيدجر.
غير أن هذا الإمكان ذاته يكشف عن غموض في الموقف
الكانطي ذاته.
فالعلم معطى،
ولذلك لا يتعلق الأمر بتثمينه
(أو إضفاء المصداقية عليه)
وإنما يتعلق الأمر بأن نستنبط منه ما يجعل منه أن
يكون ذا مصداقية.
يسمح هذا الاستنباط بالرجوع إلى مصدر المعرفة،
حيث نجعل من هذا الاستنباط،
عند هذه العودة،
أساس كل معرفة ممكنة.
إن هذا
(الاستنباط) هو دلالة المنهج الترنسندنتالي.
بهذا الاستنباط تمسك الفلسفة بالمعرفة التي
ستمارسها على نفسها في تصوراتها المقبلة.
وسواء أردنا ذلك أو لم نرد،
فإن الفلسفة تستخلص جوهرها وشروط تقدمها من
العلمية التي قامت هي نفسها بتحليلها.
ما يلزم عن ذلك هو تصفية الميتافيزيقا.
هل سنحصل على ميتافيزيقا جديدة أم على العكس من
ذلك على استحالتها؟
هل يتعلق الأمر بتحريرها من سلطان إحالتها إلى
العلم،
ومن الموجود،
وبالتالي منحها وضعا خاصا؟
لكن كيف يمكن أن يحصل هذا بالانطلاق من العلم
نفسه؟
أليست الميتافيزيقا نفسها مستحيلة من جراء أن
وجودها يكون بفعل العلم الذي لا تستطيع الانفصال عنه؟
أليست الفلسفة التي تريد أن تكون ميتافيزيقية
فلسفة لا تقبل الدحض وتكون بذلك مدانة من طرف العلم حتى على
مستوى المنهج الذي لا تستطيع أن تتملكه وهي تجابهه في مفارقتها؟
إن الميتافيزيقا مستحيلة بما هي كذلك.
فهل فتح كانط حقلا جديدا،
أي نقطة انطلاق الميتافيزيقا عندما فصلها عن
العلم؟
أم أنه يدينها،
فقط،
في صورتها التقليدية،
ليس من أجل الانفتاح على اللامفكر التقليدي الذي
هو الوجود،
وإنما من أجل العلم باعتباره صوغا تأسيسيا وصوغا
تأصيليا ينبغي استعادته واستئنافه؟
أليس هذا،
بالأحرى،
انتصارا للحقيقية الضمنية المزعومة للأنطلوجيا
الهرمة عوض الانقلاب
"الكوبرنيكي"
الذي يُلَمِّ |