|
تعتبر
الترجمة نشاطا إنسانيا أصيلا ساهم على الدوام في تفاعل وتلاقح
الثقافات واللغات. وقد دفعت أهميتها المهتمين بها إلى إنتاج
خطابات متنوعة حولها، تراوح موضوعها بين التساؤل عن كيفيات فعل
الترجمة وبين الشروط المفروض توفرها في الترجمان (1).
إن العودة إلى الكتابات القديمة التي تهتم بنظرية الترجمة تجعل
الباحث يلتقي بمواقف وآراء مختلفة من حيث التصور، تبعا للانتماء
التاريخي والثقافي لمنتجي تلك الآراء ولمتخذي تلك المواقف(2).
أما البحث المعاصر فقد حولها - تحت الإرغامات القصوى لحاجة كل
مجموعة لغوية وثقافية إلى التعرف على تطور معرفة الآخر - إلى
موضوع للتفكير النظري. وقد نتج عن ذلك ظهور محاولات تصنيفية
وتقعيدية وتقييمية أخلاقية، حولت التفكير فيها إلى إشكال منفتح.
وهكذا وجدت دراسات تربطها بأشكال الموضوع المترجم (نص علمي / نص
أدبي…) ودراسات تحاول ضبط السنن العام المتحكم في إنجازها بغض
النظر عن القيود الخطابية والأجناسية للموضوعات المترجمة، إضافة
إلى دراسات تقييمية أخلاقية تسعى إلى تصنيفها بناء على علاقة
النص - المصدر بالنص- الهدف، انطلاقا من مبدأي الأمانة والخيانة…
الاستحالة والإمكان. وقد أدى هذا الاتساع إلى تداخل الخطاب
المنجز حولها مع نظريات عامة مثل الشعرية وفلسفة اللغة والمنطق
واللسانيات والسيميولوجيا، حتى أصبحت نقطة تقاطع أشكال المعرفة
الإنسانية نفسها. لكن هذا الشكل الإمبريالي الذي تظهره النظرية
باتساعها، ليس في الحقيقة إلا مظهرا خداعا لإمبريالية مضادة. ففي
الوقت الذي تبدو غازية لأراضي النظريات الأخرى ومهيمنة عليها، لا
تكون فعليا إلا مكانا لمناورات تلك النظريات من أجل تطوير ذاتها:
فهي بفضل إشكالية موضوعها، الذي هو موضوع مضاعف للتمثل والتدلال
(représentation et sémiosis) أغرت كل الحقول المعرفية بتناولها،
غير أن ما حدث هو أنها تحولت في ذاتها إلى نماذج توضيحية
للمقولات النظرية لحقل معرفي معين. ونتيجة لذلك صارت قراءتنا
لنظريات الترجمة، تجعلنا، عوض أن نلتقي بالآليات العلمية المرشدة
لها، لا نلتقي إلا مع الموضوعات المعرفية الموسطة للبت فيها أو
الحكم عليها. إن ما يقع في الغالب هو أن الحقول المعرفية التي
تأتي لكي تحل مشاكل الترجمة سرعان ما تتناساها لتحيلها إلى أداة
لحل مشاكل نفسها، فتغدو الترجمة بذلك بمثابة وسيلة ناجعة لإجراء
التجربة التفنيدية (بمعناها عند بوبر)(3) من قبل كل حقل يسعى إلى
التأكد من فرضياته الخاصة. وليست هذه الفكرة إجحافا أو تقولا،
ولكنها ناتجة في آن عن تأمل الدراسات النظرية التي تتظاهر بجعل
الترجمة موضوعا لها، وعن تأمل نتائجها الواضحة في مجال اهتمام
الدارس الأصلية، ولتأكيد ذلك فلنتأمل انعكاس التفكير فيها لدى
ثلاثة من رموز الفكر، في مجالات الشعرية واللسانيات والفلسفة
التأويلية:
فأما بالنسبة للتفكير فيها من وجهة نظر الشعرية، فقد قادت رائدها
هنري ميشونيك إلى اكتشاف أهميتها القصوى في تجديد وتطوير الوعي
بنظرية الأدب خاصة، وبنظرية الكتابة بوصفها نشاطا اجتماعيا
عامة(4). أما ياكوبسون فلم يفكر فيها إلا بوصفها معيارا للبرهنة
على اختلافية الأنساق اللغوية من حيث تقطيعها للعالم ومن حيث
إسنادها لقيم التذكير والتأنيث.. ومن حيث ارتباط الدلالة بشكل
التركيب، ونظرا لنجاعتها في تجلية تلك الاختلافات فقد استعارها
لتجلية صعوبة أو استحالة بعض الأشكال العبر تسنينية المنجزة داخل
نفس اللغة. ومن ثم كان اقتراحه لثلاثة أنواع من الترجمة: الترجمة
الداخل لغوية (intralinguale) الترجمة بين اللغات
(interlinguale) الترجمة بين السميائية (intersémiotique) والتي
تتغيا تأويل الأدلة اللغوية إلى أدلة غير لغوية(5). وبذلك فقد
حولها إلى أداة للبت في قضايا لسانية، ونفس الشيء تقريبا نلاحظه
عند ريكور، الذي ماثل بينها وبين التأويل، الذي جعله هو نفسه
ترجمة، الشيء الذي أعطاها معنى استعاريا.
إن هذه الحقائق لتدعو إلى التساؤل عن علة هذا الوضع الذي تعيشه
نظرية الترجمة: هل هو راجع لطبيعتها الخاصة بوصفها سننا مركبا
يقوم على المواءمة بين سننين مختلفين ومعقدين، حيث كل سنن هو في
ذاته تركيبة لترسانة من السنن (فليس السنن اللغوي إلا تركيبا
لسنن مختلفة: ثقافية ومعرفية وتعرفية.. وينضاف إلى ذلك الذهن
القائم بفعل الترجمة، والذي هو أيضا تركيبة معقدة) أو راجع فقط
إلى افتقاد الترجمة لخلفية محايدة وعامة تجعلها موضوعا فعليا
للمعرفة وليس أداة وحسب.
إن الوضع السابق هو ما يجعل المرء لا يندهش إذا خرج، وهو يطالع
الدراسات المخصصة للترجمة، بفائدة ثمينة حول الموضوع المعرفي
الموسط للبحث فيها، وبنتائج متواضعة لا تفيد، لا الترجمة ولا
الترجمان عمليا، كمثل القول إن الترجمة تكون أقل وفاء للشعر
وأكثر وفاء للنص العلمي.. أو إن كل ترجمة خيانة.. ولعل هذه
النتائج الضحلة لمجهودات جبارة، هي التي دفعت بعض المفكرين إلى
التلميح إلى عدم جدواها، وإلى السخرية الإيجابية من نتائجها،
واقتراح بديل فلسفي يختزل كل إمكاناتها. ويمكن إذا شئنا الاكتفاء
بنسقنا الفكري الوطني أن نشير إلى مقالتي الأستاذ بنعبد العالي
الذي ربط مفعول الترجمة (نص الوصول) بالسيمولاكر(6).
تأسيسا على ذلك يريد هذا المقال أن يجعل الترجمة موضوعا فعليا
لخطابه، وأن يجعل الآليات التي سينطلق منها، هي نفسها الآليات
التي تنطلق منها بقية الموضوعات المعرفية الأخرى-التي غالبا ما
تأتى لمعالجتها ثم تهيمن عليها- ومن أجل ذلك فقد تم تفضيل
معالجتها انطلاقا من التمثل والتدلال، لأنها ليست في الواقع إلا
تحيينا مخصوصا لهما. ولما كان هذا الإنجاز مسبوقا إليه، في حقلنا
الثقافي الراهن، فقد فضلنا الانطلاق منه. ومن ثم ستكون هذه
المساهمة محاولة لكشف آليات إنتاج الترجمة، إطلاقا من تفاعلها مع
مقترح نظري مغربي مستند إلى نفس التصور، وهو مقترح الأستاذ محمد
مفتاح في دراسته "درجات الأيقون وترجمة الشعر"(7). ولتحقيق ذلك
سيتم نهج الخطة التالية:
1 - المحمول الأساسي للمقترح النظري
2 - الخلفية الإبستيمولوجية العامة
3 - خلفية تدريج الأيقون وأنواع الترجمة.
1 - المحمول الأساسي للمقترح:
لا بد في البداية من الإشارة إلى عاملين فرضا علينا الإقرار بأن
ما قدمه محمد مفتاح هو بمثابة نظرية وصفية للترجمة في ذاتها.
ويتعلق الأول بكون مقدماته النظرية الخاصة بالأيقونة تستقطب بدقة
كل أنواع الترجمات الممكنة من الحرفية إلى الحرة، من نقل الدليل
كما هو في لغته المصدر
(si 1 + 2 >--< إذا كان 1 + 2) إلى نقله مؤولا تأويلا بعيدا. كما
تسعف على تحديد درجات الأمانة والإبداع؛ بينما يتعلق العامل
الثاني بتأكيد الباحث نفسه على ذلك: "حاولنا تصنيف الأيقون إلى
درجات، كل درجة منه تناظرها ترجمة معينة. وقد أصبحت درجات هذا
التصنيف بمثابة قواعد لتقويم الترجمة وتقنينها"(8).
وإذا كان هذا المقترح النظري يستحق تمحيصا إبستيمولوجيا مدققا،
يستند على تركيب مقترحي: كون وسنيد Kuhn et Sneed على شاكلة ما
قام به غوتنر(9) فإن هذا المقال لن يقوم بذلك إلا في حدود، نظرا
أولا لخصوصية المجال المعرفي الراهن، وثانيا لكون الباحث لم يدعم
مقترحه النظري بتطبيقات. ولهذا يحسن الاكتفاء باستنباط المحمول
النظري الأساسي، والذي يبدو ماثلا في افتراض أن الترجمة هي نقل
لصور المعنى من دليل -مصدر إلى دليل- هدف، ويبدو ذلك واضحا من
خلال عدم اهتمامه بكل عناصر التدلال الثلاثة (الممثل والموضوع
والمؤول)(10) حيث اكتفى بالموضوع وحده وعالجه بوصفه موضوعا
للتدلال، كما فعل بورس نفسه وهو يفصل أقسام الأدلة، إذ تصبح
أبعاد الموضوع الثلاثة (الأيقونة والمؤشر والرمز) أدلة متكاملة،
هي نفسها ممثلة لممثل وموضوع ومؤول. ويبدو أن مفتاح قد ركز على
الموضوع وحده نتيجة لطبيعة الموضوع نفسه (الترجمة) لأن الممثل لا
يحضر بل يغيب، لأنه يحول بناء على موضوعه. فنحن حين نترجم نعم بـ(Oui)
لا نترجم الممثل (ن،ع،م) بل موضوعه؛ ولأن المؤول هو الفعل ذاته
المتحكم في الترجمة والذي تم وصفه سابقا بالسنن المركب. فحين
نقرأ ترجمة (نعم بـ Oui) لا نقرأ ما الذي جرى بذهن المترجم
لاعتبار Oui مؤولا لموضوع نعم في اللغة الفرنسية.. فضلا عن كون
الموضوع بوصفه المعطى المادي في الترجمة هو الذي يستطيع أن
يجعلنا نستنبط المؤول.
وقد تحقق هذا الاستبدال في مقدمتين نظريتين هما:
أ - إن الترجمة (ولا يقصد بها - كما يفعل الجميع - الفعل، أي
المؤول، بل المفعول، أي النص- الهدف) هي أيقونة.
ب - إن للترجمة درجات للوفاء. وقد التقيتا في اعتبار الأيقونة
متدرجة، وتدرج الأيقونة هو نفسه تدرج الأمانة.
بيد أن سمات مقترحه النظري لا تكتمل إلا باستنباط المقدمات غير
النظرية، والتي يمكن اختزالها في إغفال "ذرائعية الترجمة"، وأقصد
بها التساؤل حول قيمة النص المصدر وحول دواعي ترجمته إلى ثقافة
اللغة الهدف، وحول تكوين العلمي والمهني للترجمان.. ولهذا السبب
تم ربطها بالنظريات الوصفية رغم عدم خلوها من جوانب معيارية
ماثلة في معيارية الأمانة والإبداع.
2 - الخلفية الإبستيمولوجية العامة:
لا يمكن فهم مقترح د.مفتاح الترجمي دون ربط تصوره عن الأدب بوصفه
أيقونة بتصور بورس حولها:
1.2- الأيقونة بوصفها انحلالا لرمز:
يرى بورس، وهو يحدد الأيقونة بوصفها دليلا، أنها ممثل، حيث الصفة
أو الخاصية الممثلة هي أولانية الممثل لما هو أولاني، بمعنى أن
خاصية (أو صفة) الشيء بوصفه شيئا هي التي تؤهله لأن يكون ممثلا.
لذلك فإن كل شيء يمكنه أن يصبح بديلا [أي مؤولا] لشيء آخر مشابه
له، فليس للممثل في مستوى الأولانية إلا موضوعا مشابها. وهكذا،
فالدليل في مستوى الأولانية (عالم الممكنات والإحساسات..) هو
صورة لموضوعه، الذي لا يمكن إلا أن يكون فكرة، ذلك لأنه ملزم
بإنتاج فكرة(11). غير أن بورس وهو يربط موضوعها بالفكرة، ينبه
إلى أن ذلك ليس سوى مفعول ضروري لنظام الإدراك الذهني، الذي لكي
يفهم ما هو ممكن في علاقته الإمكانية بموضوعه الوجودي، يستند على
قانون ضروري (الفطرة). أما الفكرة في ذاتها، أي بوصفها دليلا،
فهي من نظام الثالثانية (رموز). ولذلك فقد أنهى الفقرة (2.276)
التي يحدد فيها الأيقونة بالإشارة إلى "إن الموضوع الخارجي
للأيقونة يحفز الفكرة من خلال تأثيره على الذهن وأن الفكرة ذاتها
- خارج الممكن أو الأولانية- لا يمكن أن تكون أيقونة"(12).
واضح إذا أن بورس بفضل استمرارية وواقعية فلسفته الذرائعية
ومحايثتها لسيرورة التدلال المتحكمة دوما في تحديداته لأقسام
الأدلة، يربط الثالثاني بوصفه ضروريا ولا زمنيا ومجردا (لأنه
رموز وأفكار) بالأولاني الممكن الماثل فقط في صفات ما للدليل أو
الممثل الحاضر وجوديا، باعتبار ذلك الربط وسيلة الذهن الوحيدة
لتجسير العلاقة بين ما يتمثله الذهن بوصفه ممكنا وبين موضوعه
الوجودي الممكن وحسب (فليست الشجاعة في استعارة "زيد أسد" إلا
نتاج إدراك الذهن لصفات يفرزها الممثل نتيجة تفاعلها مع سنن
معرفية سابقة، إذ ليست إلا إمكانية مجردة محينة وحسب، فلا وجود
لمانع يحول دون تحيين أفكار أخرى مثل الحيوانية والافتراس
والسلطوية..
إن ما يقع فعلا مع الدليل الذي يُدْرًكُ موضوعه بوصفه أيقونة (أي
ممكنا وموصوفا من قبل ممثل الدليل وحسب) هو تنمية للممكن كي
يحتمي بالضروري، وتعتبر تلك التنمية هي الحل الوحيد المتاح للذهن
حتى ينتج سيرورة التدلال الهادفة إلى تمثل الثانياني الوجودي: أي
المؤشر. بيد أن ذلك يتم دون أن يفقد الثالثاني بعده الضروري،
لأنه لا يأتي إلا مرحليا وتحت إرغامات الذهن لكي يرسم الطريق
للمكن، حتى يصير جزءٌ من هذا الممكن وجودا(وهذا معنى الانحلال
عند بورس)، ثم ينسحب بعدما يكون قد قام بدور المؤول. ولكنه لا
يقوم بذلك الدور إلا بشكل خفي، يناظر فعل التدلال الذي يحقق فعل
الترجمة المظهر، كما هو الشأن في ترجمة كلمة (نعم) إلى الفرنسية
(Oui ) حيث لا نظهر قبلها أو بعدها العمليات الذهنية المجردة
والمعقدة التي قادتنا من (نعم إلى Oui).
إن مجيء الفكرة إلى الدليل الأيقوني هو مجيء متسام ومشروط بمعارف
مسبقة مناسبة لذلك الدليل في ذهن المدرك (الشجاعة دون غيرها في
المثال السابق). إنه مجيء مرحلي، لا يجسد الفكرة بل يوسط بها
علاقة الممكن بالوجود. فالشجاعة التي يستحضرها الذهن مرحليا،
حالما تسعف الممكن تنسحب ليرتسم الوجودي في شكل نسخة مخصوصة لها:
"زيد شجاع" تلك النسخة التي تؤشر وجوديا على الدليل الأيقوني
الممكن وعلى الفكرة-الرمز، دون أن تكون تجسيدا لكل إمكانات صفات
الدليل الأيقوني أو لموضوع الفكرة أو الرمز (أي الشجاعة)، لأن
النسخة التي تولدت وصارت مؤشرا لا يمكن أن تكون هي نفسها بالنسبة
لمدرك آخر تختلف معارفه المسبقة بهذا الدليل (إذ لا مانع في
ثقافة أخرى من استحضار الذهن لفكرة الافتراس أو الاتكال على
الأنثى..) كما لا يمكن أن تكون الشجاعة بوصفها نسخة محينة هي
الفكرة المجردة (الشجاعة) نفسها، لأن (زيد شجاع) هو مقدار مخصوص
من الشجاعة يساوي جزءا مما يناظر شجاعة زيد وتصور المتكلم أو
المتلقي عنه وعن الشجاعة؛ فضلا عن كون اسم الفاعل (شجاع) وهو
ينطبع كنهاية للتدلال، لا يكون إلا مؤشرا، يَستدعي هو بدوره، لكي
يفهم، تحيينا جديدا للرمز (الشجاعة) الذي لا يتضاءل أبدا إلى
تجسيداته الممكنة. وذلك ما سيتوضح في عكس السيرورة التدلالية
التي تمضي من الرمز إلى المؤشر.
وهكذا تتضح جوانب من خلفية اعتبار مفتاح للأدب وللترجمة أيقونة،
مثلما تتضح الخلفية الفلسفية لنسبية التأويل والفهم بوصفهما
متحكمين في فعل الترجمة.
2.2-الرمز بوصفه انحلالا إلى أيقونة:
لقد رأينا أن الضرورات الذهنية هي التي تطور الأيقونة إلى رمز
ينحل لكي يرسم الطريق نحو المؤشر (الذي هو مضمون الفهم)، وسنرى
الآن كيف تنعكس الآية حين يكون المنطلق من الرمز:
إن الرمز كما سبق توضيح ذلك لا يتحين إلا بشكل مجرد وذهني
وبتوافق مع محفزات استدعائه. ولذلك، فإنه في مستوى التحقق
الفعلي، لا يحظر إلا ممثلا بإحدى نسخه (لكي نوضح أكثر، لنقل بلغة
دو سوسير، إن اللغة لا تحين إلا بوصفها كلاما). غير أن التجسد
المباشر للرمز عبر نسخته يجعل الممثل دالا بموضوعه الداخلي وليس
بصفاته. ولذلك يكون مؤشرا (حرفيا أو جادا إذا شئنا اعتماد لغة
عادية) وفي هذه الحالة أيضا كيف يمكن للذهن أن يفهم هذا الدليل
المفرد المؤشر (Sinsigne indicaire)؟ فتبعا لبورس لا يمكن للفهم
أن يتم إلا بجعل نسخة الرمز تنحل إلى أيقونة: "كل منهج غير مباشر
للتواصل مع فكرة ما، يجب أن يقوم لكي يتأسس ، على استعمال أيقونة
ما" (278،2)(13) وإذن، فكل تجميع للرموز والمؤشرات هو تجميع
أيقوني: "الرمز هو دليل، قمين طبيعيا، بأن يخبرنا أن مجموعة من
الأشياء التي هي معينة بمجموعة من المؤشرات التي يمكن أن تكون
مرتبطة بها، بطرق ما، هي ممثلة بواسطة أيقونة" (295،2) والمثال
الذي يحلله بورس لتجلية فكرته هذه، يوضح الجانب الثاني من
الخلفية التي بناء عليها ربط مفتاح الترجمة بالأيقونة، والمثال
هو (إيزيشييل يحب هولدة)(*). إن تركيب المؤشرين الوجوديين بفضل
نسخة الرمز (فكرة الحب) يجعل الدليل الكلي قضويا (dicisigne).
لكن هذا الدليل لا يفهم في علاقته بالموضوع الذي يمثله إلا بجعله
ينحل إلى أيقونة، لأن: "أثر هذه الكلمة (يحب) يقول بورس، كامن في
كون الموضوعين المعينين بالمؤشرين (إيزيشييل وهولدة) ممثلين
بالأيقونة أو الصورة التي نملكها في أذهاننا عن محب ومحبوبته"
(295،2). وإذن فإننا لا نستطيع، حتى في حالة كون الأدلة مؤشرية:
(أي دالة بفضل تحديدها لموضوعاتها) إلا أن نحولها إلى صورة أو
أيقونة، وذلك باستدعاء الفكرة. ولكن ليس وفق الطريقة السابقة، من
جهة لأننا مع نسخة الرمز، نستدعي الرمز مباشرة لكي نفهم معنى
المؤشر (نستدعي فكرة الحب لكي نفهم المؤشر الماثل في الجملة
السابقة). بينما مع الأيقونة لا نستدعي الرمز إلا لكي يمنحها قبل
انسحابه نسخته التي تُطَور إلى مؤشر؛ ومن جهة ثانية لأن الرمز
حين يستدعي ذهنيا من قبل نسخته، يحضر مباشرة في الوعي ويكون
الوحيد المستدعى، بينما مع الأيقونة لا يكون استدعاؤه إلا بعد
عمل ذهني سابق يحدد أولا الصفة الممثلة، ثم بناء على تلك التصفية
أو ذلك الانتفاء يتم استدعاء الفكرة. ومع ذلك فإن الشكلين
يلتقيان، في نهاية الفهم، عند حقيقة متشاركة، تتمثل في أنهما لا
يقبضان إلا على نسخة للرمز. وهي نسخة لا تشكل إلا جزءا منه. وهذا
الجزء خاضع دوما لتصور الذهن حول ذلك الرمز، لأن النسخة خاضعة
على الدوام لإرغامات وشروط متعددة أولها الكفاءة اللغوية
والتجربة الحضارية والذاتية… ففهمنا للحب، بوصفنا عربا، لن يكون
أبدا هو فهم الفرنسي له(**)،لأننا لو أردنا فهم تلك الجملة،
لتحولت في ذهننا إلى أيقونة للحب، وهي صورة عاطفة يتملك فيها
القلب العقل وقد ينهكه. وهي حالة دائمة لأن التواصل الجسدي
يبطلها، ويعيدها إلى رمز آخر في لغتنا العربية وثقافتنا، مثل
الهوى والعشق والغرام.. إن أول صورة تولدها تلك الجملة في ذهننا
هي أيقونة (قيس وليلى) وقد تنضاف إلى هذه الصورة التجربة الخاصة
بإدراك كل واحد منا للحب بوصفه رمزا. ولا يمكن أن تفجر تلك
الجملة نفس الصورة في ذهن الفرنسي مثلا، نظرا لفقر لغته بخصوص
الأفكار المتصلة بالعاطفة، لأن اشتقاقات الحب في لغته، تسمح دون
شك بتشكيل صورة مزدوجة بين الاتصال والعاطفة. وإذن فترجمتي
للجملة السابقة نفسها ليست أمينة، لأنها ترجمة تمت بناء على
أيقونة وحسب. وإذا وجد من يرفض الصورة التي فهمت بها نسخة الرمز
(حب)، (وسيكون ذلك مثالا جيدا لتفسير فكرة بورس)، فإنني أستطيع
التعقيب على تحفظه بأن عليه أن يقنعني بالصورة المثلى. ومن
الواضح أنه يتعين عليه، بلا شك، لكي يقنعني، أن يحول مالا يوجد
في الوجود إلا بوصفه وصفا لما لا يوصف إلا بالصورة المتخيلة، إلى
صورة متعينة في العيان. أي عليه أن يريني الحب مجسدا في شكل
هندسي أو رياضي من نوع (1+1 = 2). ومع ذلك من حقه أن يخالفني في
فهمه، ثم في ترجمته لنفس الجملة، ما دام مشدودا إلى تحيين مخصوص
لنفس الفكرة بواسطة صورة مغايرة لتلك التي حضرت في ذهني. وإذا
كان الأمر كذلك مع الرمز، فإنه يكون أكثر تعقيدا في حالة كون
الدليل- المصدر أيقونة.
وهكذا يتضح أن الفهم، الذي تعتبر الترجمة نتاجا له، قبل أن تضيف
له عناصر جديدة جراء تحيين فعلها، هو مجرد تواطؤ ومحاولة
للاقتراب من المعنى، الشيء الذي يفسر كون الأمانة ليست في نهاية
المطاف إلا إخلاصا لهذا التواطؤ وذاك الاقتراب.
إننا حين نأتي بالرمز سواء بشكل مباشر (انطلاقا من نسخة مؤشرية)
أو غير مباشر (انطلاقا من أيقونة) لا نأتي به إلا لكي نغدر به.
(أو لكي نلطف الأمر) لا نأتي به إلا لكي نخلصه، دون أن ندري، من
غموضه وكثافته، ولكي نقتطع منه ما هو موجود مما يناسبه في لغتنا
وثقافتنا وتجاربنا الخاصة، وهو تلطيف يفرضه كل تحيين بوصفه
ملاقاة للوجود. وبتركيب شكلَيْ التدلال، يتضح أن الممكن يستنجد
بالضروري والضروري يستنجد بالممكن من أجل التعبير عن الوجود،
الشيء الذي يجعل ذلك التعبير نسخة، أي أيقونة. وهكذا نكون قد
رسمنا الخلفية الفلسفية التي استند إليها محمد مفتاح في ربطه
للعمل الأدبي ثم للترجمة بالأيقونة، وفي ربطه نظريا للأيقونة
بالرمز.
3 - خلفية تدريج الأيقونة وأنواع الترجمة:
قبل التعرض إلى التدريج المقترح من قبل مفتاح ، نشير إلى أننا
سوف نعمل على تقديم نماذج للدرجات التي تلائم الأدلة الأدبية
ببعض العناوين المترجمة من الفرنسية إلى العربية، ويستلزم ذلك
افتراض أنها ليست عناوين، لعدة اعتبارات:
-لأن العنوان ينتج وفق قانون سيميائي ثانوي قياسا إلى الأدلة
النصية أو الأدلة بصفة عامة، لأنه بخلافها لا يُنْتَجُ بوصفه
دليلا لغويا انطلاقا من الإدراك المباشر لفكرة حاضرة في الذهن،
وآتية من العالم الخارجي، أو من انعكاسه ثم تفاعله مع العالم
الداخلي للذات المنتجة، ولكن انطلاقا من شرط تداخل وتراكب ذلك مع
النص المُنْتَجِ والمُدْرَكِ وفق صفة ما، وبذلك يكون العالم
المرجعي للعنوان مركبا من عالمين صغيرين. ولعلها الحقيقة التي
تجعل الكتاب أنفسهم يحتارون إزاء إنتاج عناوينهم، ولا يمانعون،
في الاستماع إلى آراء زملائهم، والأخذ بها. ومن ثم فإن عملية
ترجمة العناوين تعتبر أكثر تعقيدا، وقد لا تكون بالضرورة ترجمة
للعنوان نفسه، وإنما استخلاصا لعنوان جديد انطلاقا من النص نفسه.
-إن النظام السيميائي المتحكم في إنتاج العناوين يفرض إلى جانب
المعايير السابقة، الاختزال والكثافة والأناقة. وذلك ما يقيد
العنوان المترجم أيضا، إذ يجري تفادي ترجمة الدليل المركب من
دليلين مثلا بدليل مركب من أكثر من ذلك العدد، لأن إجراء مثل ذلك
يحيل العنوان إلى ما يشبه النص. ومن ثم قد تكون التضحية بما يسمى
"أمانة أو مطابقة"، أمرا يفرضه القانون السيميائي لإنتاج العنوان
نفسه.
-إن تحليل تمثل المترجم وشكل التدلال الذهني الذي قاده إلى إنتاج
العنوان في اللغة-الهدف، يفرض بفعل الإكراهات المذكورة، إدماج
المؤول ضرورة، وذلك ما لا يمكن الوفاء به في مقال من هذا الحجم.
وهكذا نكون قد وضحنا شكل استعمالنا للعناوين على اعتبار أنها
أدلة وحسب، أي نماذج مصغرة -من أجل الاقتصاد- للأدلة عامة، سواء
كانت جملا أو نصوصا. ومعنى ذلك أننا سنستعملها بوصفها نماذج
تمثيلية فقط، فلا علاقة لتحليلاتنا إطلاقا بإصدار أحكام عن
المترجمين. ويرجع اختيارنا للعناوين عوض النصوص إلى الرغبة في
تبسيط التواصل مع القارئ. لذلك ارتأينا الاكتفاء بثلاثة عناوين
لكاتب معروف جدا هو عبد الفتاح كيليطو. أما العناوين التي
سنجعلها وسيلة لتجريب قوة صمود المقدمات النظرية فهي على
التوالي: (العين والإبرة، لسان آدم، الكتابة والتناسخ L 'oei et
l'aiguille, la langue d'ADAM, l'auteur et ses doubles).
انطلق مفتاح في تدريجه للأيقونة من مبدأ التفريع البورسي لأقسام
الأدلة عامة، ولقسم الدليل -الأيقونة خاصة:
لقد فرع بورس الأيقونة إلى ثلاثة أقسام صغرى: وهي الصور والرسوم
البيانية والاستعارات. وذلك تبعا للجهة الأولانية التي تنتمي
إليها، فالصور هي التي تشكل جزءا من الخصائص البسيطة أو أولانية
الأولانية، أما الرسومات البيانية، فتمثل العلاقات - وخصوصا
الثنائية - التي تربط أجزاء الشيء بعلاقات مماثلة. وتسمى
الأيقونات الفرعية التي تمثل الطابع التمثيلي لممثل ما، بواسطة
تمثيل مواز داخل شيء آخر، استعارات(277،2).
وإذا كان بورس قد أضاء ما يقصده بالصورة والرسوم البيانية، حيث
ربط الأولى بالصورة الفوتوغرافية للطبيعة، وربط الثانية
بالشكلنات الرياضية والصور الصوتية للغات الطبيعية وقواعدها
التركيبية وعلة الخطاطات الدالة على التدرج… فإنه صمت بخصوص
الاستعارات، الشيء الذي جعل شراحه يسندون لها موضوعات مختلفة
ترتبط بإنجازات لغوية مجازية مثل كونها استعارات كما يذهب إلى
ذلك (دولودال) أو كونها أليغورة ومثل أو حكمة، كما نجد عند (فان
زوست) لكن الواضح أنها تشكل ثالثانية الأولانية. ولذلك فهي
مرتبطة باللغات الطبيعية ومن ثم يمكن بناء على ثالثانيتها
تفريعها وفق نفس المبدأ. فإذا كان تفريع قسم الأيقونة من قبل
بورس نفسه، قد بنـي على حسـاب(33)[27] فلا مانع من تفريع الفروع
وهكذا إلى ما لا نهاية. وفعلا فذلك ما قام به مفتاح بخصوص فرع
الاستعارات التي فرعها بناء على الجهات الثلاث، إلى استعارة
أيقونية واستعارة مؤشرية ثم استعارة رمزية.
إذا تأملنا بعمق في هذا التفريع نجده يقوم على حساب (34) [81].
والملاحظ أن تحديده للأيقونات غير المفرعة (الصور والرسوم
البيانية) قد شاكل تماما تحديدات بورس لها، بينما حدد الأيقونات
المولدة وفق الحساب السابق، بناء على القانون الاستنباطي البورسي:
1.3-الايقونة(*) المثالية: إذا كان بورس يربط الصور بالصور
الفوتوغرافية، والتي يتضاءل السنن المنتج لها إلى آلة، وليس إلى
ذات، فإن مفتاح يربطها بالمستنسخات المطابقة لأصل وحيد، وقد
جعلها مستحيلة في مجال الترجمة باستثناء الحالات النادرة التي
تتقارب فيها تعابير اللغة -المصدر مع اللغة- الهدف. ويستنتج من
تعريف مفتاح استبعاده لظاهرة التعريب المسيطرة على ترجمتنا (مثل
إيديولوجيا، سيميولوجيا..) ولظاهرة نقل الأدلة كما هي في
لغتها-المصدر. والواقع أنه حق من وجهة نظر السنن الترجمي، أولا،
لأن الدليل الهدف لا يكون إلا نسخة مباشرة للدليل المصدر. وإذن
لا يمر من السنن الترجمي العام، بل ينجز خارج السنن، ثم لأن
الذات-مكان سيرورة التدلال الترجمي تتضاءل إلى مستوى آلة
التصوير: لا تبدل أي رد فعل.
2.3-الأيقونة المتماثلة ويربطها في الترجمة بالحفاظ على الشكل
والمضمون، وخاصة بترجمة الشعر الفضائي والكتابات الرياضية
والمنطقية… وهذا التحديد مناظر لتحديد بورس لثانوية الأولانية
(الرسوم البيانية) والتي ربطها بأشكال الكتابة القديمة، مثل
الهيروغليفية. لكن هذين التحديدين السابقين ليسا إلا فرعا من
التحديد العميق للرسوم البيانية أو الأيقونية المتماثلة، فإذا
كان بورس، في التعريف المترجم أعلاه، يربط موضوعها بعلاقات
أجزائها بأجزاء الشيء الممكن الذي تدل عليه مثل علاقة تدرج
العناوين بتدرج الموضوعات المرتبطة بها، الشيء الذي جعلها ذات
بعد أيقونة فضائية(*) تتصل بدلالة الفضاء وتَدَرُّجِ الأدلة
المعنوي، والحفاظ على الرتبة.. وهذا ما نجده في تطبيق مفتاح على
النصوص التي مثل بها في دراسته، حيث لاحظ التفاوت بين الشكلين،
والاختلاف في التقديم والتأخير، والاختلاف في توزيع الأبيات
سطريا وفضائيا.
ويمكن إضافة أدلة أخرى تقبل أن نبت فيها بفضل هذا الشكل الترجمي
مثل أرقام النصوص والفضاءات المحسوسة المشكلة للفوارق بين
الفقرات والفصول، ومثل الصور الخارجية للأغلفة… وأيضا ما يتصل
بالرتبة الدلالية، خاصة إذا كانت الرتبة الفضائية أيقونة لرتبة
ثقافية ما، مثل شروع الأب أولا في الأكل -كما هو الحال في رواية
الثلاثية لمحفوظ- وبعده الأبناء، ثم انسحابه قبلهم…الخ، وحيث أي
تعديل في هذه الرتبة الدلالية يعد إخلالا بالشكل والمضمون أيضا..
3.3-الأيقونة المتشابهة: ويحددها بكونها "ما تكون علاقتها بأصلها
علاقة المشابهة التي تجمع بين الأصل والفرع" وهي بذلك تطابق وفق
منطق التفريع المضاعف (34) بناء على قاعدة النظرية التفريعية
البورسية، جهة أولانية الاستعارة. ومن ثم تفرض ارتباط الترجمة
-التي تنتج وفقها- بالسنن البسيط للترجمة، أي أن يحرص المترجم ما
أمكنه، على الحفاظ في ترجمته، على المؤولات المباشرة المعادلة
لأدلة النص-المصدر بهدف المحافظة النسبية على الخصائـص التمثيلية
لأيقونات المصدر، في الأيقونات الهدف. (ولا يعني هذا الترجمة
الحرفية). وهكذا لكي يتحقق هذا النمط لا بد من أن تكون أدلة النص
الهدف أيقونة أيقونية: فإذا كان الوصف الأول (أيقونة) كامنا في
مسلمات نظريته الترجمية ومبرهنا عليه انطلاقا من النظرية العامة
الموجهة (بورس)، حيث كل فهمٍ أيقونةٌ وكل ترجمةٍ أيقونةٌ، سواء
كان المنطلق أيقونة مباشرة (الاستعارة بمعناها الشائع) أو كان
المنطلق مؤشرات ورموزا (س يحب ص أو س يؤمن ب ص…)، فإن الوصف
الثاني (أيقونية) هو الذي يحكم قانون هذا النوع والذي يشير إلى
ضرورة كون الخصائص الممثلة في الدليل المصدر، هي نفسها الممثلة
في الدليل الهدف، بغض النظر عن طبيعة التمثيل-المصدر: أيقونة، أو
رمز منحل إلى أيقونة. فترجمتنا لـ. AMR est un lion بـ عمرو أسد،
مماثل لترجمتنا لجملة بورس السابقة "س يحب ص" رغم أن الأولى
أيقونة والثانية مؤشر، لأن الترجمة حافظت على الخاصيات الممثلة.
1.3.3-مطابقة القاعدة: إن ما يطابق قانون الأيقونة التشابهية
لإنتاج الدليل الترجمي من بين العناوين السابقة هو العنوان الأول
(العين والإبرة / l 'oeil et l'aiguille) وهو من إنجاز "مصطفى
النحال". ولنتصور في البداية ما الذي يمكن أن يكون قد راج بذهنه
قبل تجسيد قراره كتابةً. لقد كان أمام دليل-مصدر يعرض موضوعه
بفضل خاصيات ممثله وحسب، أي كان أمام أيقونة لا يُدْرَكُ موضوعها
الممكن إلا بإدراك خاصياتها الممكنة،(وهو إدراك مشروط بتفاعل
المعرفة المسبقة للمترجم بالدليل المترجم. فلا بد أن ذهنه قد
قَلَّبَ كل الإمكانيات، التي بناء عليها -بوصفها خاصيات تمثيلية
ممكنة- يمكن استحضار الفكرة الموسطة التي تلائم الموضوع الممكن
(أي المؤشر)، ولكي نحصر الإمكانات الغنية لهذه الأيقونة فلنكتف
بإمكانيتين كان بإمكان المترجم أن يحنينهما: تتمثل الأولى في
إدراكه للدليل باعتبار عنصريه مختلفين (oeil / aiguille) من حيث
البعد الأنطلوجي للتمثيل ، مثل اعتباره الأيقونية ماثلة فقط في
أحدهما، كأن يدرك الإبرة مؤشرا منحلا عن رمزها مثلا. وإذن لا
داعي من أجل الأمانة لتأويلها، بينما يعتبر (oeil) أيقونة وبؤرة
لأيقونة الدليل المركب، وأن خصائصها الممثلة لا تلائم خصائص
مؤولها المباشر العربي المعطى في الذهن، إلا إذا حددت وقيدت
بسياق مثل السياق الفيزيولوجي (الرؤية…) أو السياسي (الجاسوس..)
أو الطبيعي (المنبع).. ولذلك، من أجل الحفاظ على الخصائص الممثلة
للأيقونية الكلية للدليل، قد يجعلها تُطَوَّرُ إلى إحدى خاصياتها
في مؤولها المباشر العربي مثل الربيئة أو المنبع… وبذلك سيجعل
أيقونيتها الترجمية تجسيدا لنهاية تمثله وتدلاله الذهني، فإذا
فهم أن خاصياتها الممثلة تنسجم مع السياق الفيزيولوجي فسينتج
الدليل الترجمي التالي (الرؤية "أو البصر..") والإبرة). ومثل هذا
الإجراء لن يجعل ترجمته خاضعة لقانون الأيقونة التشابهية (أو
الأيقونة الأيقونية) بل مجسدة للأيقونية المتوازية (أو المؤشرية)
والتي تجعل الترجمة، بفعل رد فعل الذات الواضح، أقل أمانة
وإبداعية.
وتتمثل الثانية في اعتباره للدليلين معا (كل على حدة) أيقونة،
وأن الدليل الكلي أيضا أيقونة. وبناء على ذلك، سيدركهما بفضل
الفكرة الثالثانية الرمزية التي تلائم شكل فهمه للدليل (أي
خصائصه الممثلة) وحالما تستقر في ذهنه تلك الفكرة، يتمثل نسختها
بوصفها الموضوع الممكن للدليل، فتصبح تلك النسخة مؤشرا وجوديا
على ما كان وصفيا وممكنا فقط: كأن يكون الرمز القادم إلى ذهنه مع
(oeil) مجسدا في صورة الرؤية أو الإنسان.. ومع (aiguille) مجسدا
في صورة الخياطة أو الوخز..(*) وبوصف تلك الصور مؤشرات وجودية
على نسخها وعلى أيقونيتها الممثلة (الدليل-المصدر) وعلى مكان
سيرورة التدلال (ذهن المترجم) فإنها تشكل أيضا ابتعادا عن الحد
الممكن للأمانة وتقليصا للإبداعية. وذلك واضح من خلال نسخ الرموز
التي يمكن أن تنتجها: (الرؤية والوخز، الإنسان والنسيج..) لكن
هذه الإمكانات وغيرها مما يمكن أن ينتجه التمثل والتدلال بخصوص
أي "فانيرون" حاضر في الذهن، قد توارت في ترجمة النحال لأنه
اختار في النهاية الحد الأقصى للأمانة، وذلك بالاحتفاظ للدليل
المصدر، وهو يترجم، بنفس خصائصه التمثيلية فكان: "العين والإبرة"
حيث ظلت الخصائص التمثيلية للدليل الأيقوني المصدر ماثلة في
الدليل الهدف. وبذلك حققت هذه الترجمة، وهي تخضع بدقة لقانون
الأيقونية التشابهية الحد الأقصى للأمانة والإبداعية: إن ذلك
واضح من خلال تمليها قياسا إلى الشكلين اللذين افترضناهما أعلاه،
والمنسجمين مع الشكلين الترجميين المتبقيين.
2.3.3-استثناء القاعدة: لا يعتبر التعريف السابق للأيقونة
المتشابهة تاما إلا بإضافة الجزء المتصل بوصف استثناءاته، والتي
لا تنفي ما ينتج عن إكراهاتها من الإنتماء إلى هذه الترجمة
المتصفة بالأمانة والإبداع في نفس الوقت: "تكون الترجمة أيقونية
متشابهة، حين يسعى المترجم إلى المحافظة على الشكل والمضمون
محافظة لا تصل إلى درجة المحافظة المثالية، بأن يرد السبب إلى
إهمال المترجم أو إعواز الوسائل التقنية أو إلى اختلاف اللغتين
في كثير من مكوناتهما مثل العربية واللغات الهندو أوروبية". حيث
يتضح أنها مستحيلة التحقق طوال ترجمة النص، ولذلك فإنها تشكل
سننا يقبل داخله بقية السنن المحددة من قبل (من المثالية إلى
التناظرية)، شرط وجود معوقات مثل العوز التقني، وهذا العوز يتصل
كما هو واضح بصعوبة ترجمة المصطلحات وبعض الأشكال الخطاطية. ثم
اختلاف اللغات، ذلك الاختلاف الذي يؤثر بالضرورة على ضياع
الأيقونات الفضائية للتركيب (أي الرتبة)، وعلى القيم الخاصة
بالأدلة بوصفها تقطيعا مخصوصا للعالم، إذ غالبا ما يكون هذا
التقطيع مختلفا أغلب الأحيان (مثل تمفصل القرابة في العربية
وتمفصلها في الفرنسية، أو تمفصل عمر الإنسان، أو الاختلاف في
تذكير وتأنيث نفس المؤشرات الدالة على نفس الشيء الطبيعي: "الشمس
/ le soleil"..) ويمكن أن نمثل لهذا الإكراه بترجمة الجملة
التالية (كل عانس عازبة Tout vieux garçon est célibataire )(14)
واضح أن الترجمة الأيقونية التشابهية مستحيلة هنا لاستحالة توافق
تقطيع اللغتين للعالم ولتصوراتهما حول الرموز المرتبطة بهما،
لذلك لم يجد المترجم بدا من تحويل الدليل إلى مؤشر منعكس عن
الدليل السياقي الماثل في الفكرة التقنية التي يريد الكاتب
التدليل عليها. ومثل الاختلاف الجزئي لبعض التركيبات الدلالية،
التي قد لا يكون لها معنى محدد في اللغة الهدف، أو أن مقابلها
الحرفي يبدو نشازا.. ومثال ذلك العنوان الثالث(l'auteur et ses
doubles )، لأن الثقافة العربية وقواعد بلاغتها لن تقبل ترجمة
حرفية له. الشي الذي دفع بنعبد العالي إلى تحويل الأيقونة إلى
رمز، ثم جعله ينحل إلى أيقونة جديدة أصبحت موضوعا في اللغة-الهدف
للدليل المترجَم، كما سنرى لاحقا. وهكذا فإن الابتعاد الاضطراري
عن التشابهية هو أيضا تشابهية، هو عنصر محقق للأمانة والإبداعية.
وبناء على القاعدة والاستثناء ربط مفتاح هذه الترجمة إضافة إلى
التماثلية بالأمانة والإبداع، ليلتقي وهو يجمع بينهما مع فكرة
الأيقونة الحقة، التي هي أيضا (سيمولاكر) من وجهة نظر الفلسفة
المعاصرة، والتي توفر الأمانة والإبداع في آن(15).
4.3-الأيقونة المتوازية: ويحددها كالتالي "ونعني بها ما تطابقت
بنيتها ولكن العناصر التي تتكون منها مختلفة، كليا أو جزئيا أو
توازى مضمونها مع اختلاف في البنيات".
واضح أن التعريف ينطوي على فرعين: على ما هو متطابق من حيث
البنية ومع ما هو متواز من حيث المضمون. إن القول بالتطابق
بنيويا مع اختلاف العناصر، يفيد أن الدليل المولد هو مؤشر منحل
عن الأصل التركيبي. ويعني ذلك أن الترجمة تجتهد في مستوى التركيب
وحده، حيث تجعله في اللغة الهدف مؤشرا على أصله في اللغة المصدر،
ولا تعبأ باختلاف المضمونين. ويعني ذلك بالتالي أنها تكتفي بجعل
الأيقونة ماثلة في عناصر تجد تمثيلها في تركيب النص وحسب،
ونستطيع أن نعبر بشكل ملموس وتقريبي عن ذلك، بالحفاظ في الترجمة،
على النحو السطحي للنصوص ( بمعناه المحدد من قبل سيميائيا
السرد)(16)، أو بمحاولة الحفاظ على تدرج عناصر الجملة في النصين
رغم ما ينشأ عن ذلك من اختلاف في المعنى.
أما الجزء الثاني من التعريف المتصل بتوازي المضمون واختلاف
البنيات، فيدل على معنى المؤشر المعنوي. وبتركيب التعريفين
الفرعيين نحصل على قسم الدليل الموجه، الذي هو الأيقونة المؤشرية
(أي ثانوية الأولانية). فسواء أهمل المعنى أو أهمل التركيب فإن
النتيجة واحدة: إنها ضياع الخصائص التمثيلية للدليل المصدر،
لأنها لا توجد في التركيب وحده أو المعنى وحده لكنها مؤسسة
عليهما معا، وناتجة عنهما معا. وبغض النظر عن طبيعة الممثل في
اللغة المصدر (أيقونة أو مؤشرات أصيلة أو منحلة عن رموز) فإن
اللقاء به يحيله إلى أيقونة، والأيقونة كما وضحنا مرارا، لا تدرك
إلا عند تفجيرها لرمز، يأتي ليوسط التدلال بوصفه مؤولا مجردا
يعين في الذهن موضوعها الوجودي، ويسمح هذا القانون للمترجم
بتجسيد ناتجه، الذي هو نسخة ذهنية لفهم الدليل. أما حين يتجسد
الدليل في نص الوصول، فإنه يصبح في ذاته مؤشرا في نفس الوقت على
الدليل المصدر، وعلى فهم المترجم المخصوص الذي يكون قد انتقل من
السكونية المكتفية بالسنن الترجمي المحايد إلى رد الفعل المضاعف
للسنن الترجمي بإدماج سنن فهمه الخاص. لكن هذا لا يصدق إلا على
الأدلة التي لا ينطبق عليها الاستثناء الموجود في القانون السابق
(التشابهية) أي يصدق على الأدلة التي تقبل النقل المحافظ على
أيقونتها التمثيلية (أي على ما هو قصدي).
ويمكن اعتبار ترجمة الشرقاوي لعنوان (la langue d'ADAM بـ لسان
آدم) ضمن هذا القانون، فقد تطابقا في البنية واختلفا في العنصر
الأول. إن ما قام به المترجم هو تنقيص للخصائص التمثيلية
للأيقونة من خلال تحويل الدليل الثاني إلى مؤشر، وبذلك جرد (la
langue) من كل خصائصها الأيقونية التي تجعلها في نفس الوقت ممثلا
مؤشريا للعضو الفيزيولوجي (لسان) وللغة بوصفها قواعد. ولقد ترك
المترجم اللغة ووجه اللسان، وهو بذلك قد حول الأيقونة إلى مؤشر
ممكن لها، لأن اللسان في العربية لا يحدد اللغة بوصفها جهازا
رمزيا من القواعد، ولكنه يحدد -تبعا للسان العرب ص 385 ج. 11/15-
الكلمة الجارحة وكنائيا الكلمة. ويجب أن لا يغيب عن الأذهان أن
ابن منظور نفسه لم يستعمل كلمة اللغة بل استعمل اللسان، إلا بناء
على ذلك، لأنه لا يقدم للعربي إلا الكلمات أو المفردات التي
تداولها أسلافه وتكلموها، وهي مفردات معزولة، أما اللغة فهي
التركيب المجرد… وهكذا وهو يحد من الخصائص الممثلة للدليل المصدر
ويجعله مؤشرا على جزء منها فقط، قد تطابقت ترجمته مع قانون
الترجمة المتوازية، لأن الترجمة التشابهية كانت ممكنة بفضل توزيع
الخاصيتين الممثلتين للدليل المصدر على دليلين مماثلين في تمثيل
تلك الخصائص، إذ لا مانع من ترجمة الدليل ترجمة تشابهية وفق
الشكل التالي (لسان ولغة آدم) مثلما فعل النحال مع الدليل (لقد
أخلص لوعده وتكلم / Il a tenu parole)(17). واضح إذن أن تبني هذا
النوع الترجمي لا يكون إلا بقرار من المترجم، بموجبه يحول -قبل
فعل الترجمة- الأيقونة إلى مؤشر. ولذلك فإن درجة الأمانة تقل
مثلما تقل درجة الإبداعية عن طريق قمع إمكانية الأيقونية..
5.3-الأيقونة المتناظرة: وهي "بمعنى ما يشترك في العناصر أو في
الصفات مع ما يناظره" وأقل ما يعنيه التناظر أو التكافؤ "الإشتراك
في شيء ما" أو "تكافؤ الوقع" غير أن تعريفه لهذا النوع لا يكتمل
إلا بإضافة ملاحظته المستنبطة من تحليله للنماذج الشعرية: "إنها
تترجم روح الكلمات ووظائفها بعد تقويم النص وانتقاء المعلومات
الوجيهة" وينسجم هذا التعريف مع ثالثانية الأولانية الاستعارية،
حيث لا يعمل المترجم وهو يدرك الأيقونة على استحضار الفكرة
(الرمز) - وفق الشكل الموصوف سابقا- لكي يدرك موضوعها الممكن
وحسب، أو لكي يوسطها لانتقاء إحدى إمكاناتها الممكنة، حتى يحولها
إلى وجود (المؤشرية أو المتوازية)، ولكن ليجعل الفكرة تحل محل
موضوعها. ثم بناء عليها يجسد الترجمة بوصفها نسخة لها: أي مؤشرا
عليها، وهو مؤشر ثلاثي الأبعاد: يؤشر على الأيقونة-المصدر، وعلى
فعل الذات المترجمة، ليؤشر بالتالي على (الفكرة) أو الرمز الذي
صار موضوعه. وتعتبر ترجمة جمال الدين بن الشيخ التي مثل بها
مفتاح نموذجا لهذا النوع.
أما بالنسبة للأدلة التي اتخذناها نماذج لتفنيد أو تأكيد
النظرية، فيلائمها العنوان المترجم من قبل بنعبد العالي (وهو
نتاج ترجمة تنتمي إلى التشابهية الأكثر أمانة وإبداعا، لأنه
متولد عن إكراه يوجد في استثناءاتها). إن الدليل المترجم (l
'auteur et ses doubles) إذا ترجم وفق مبدأ التشابهية فلن يقدم
إلا ترجمة حرفية تفرز تركيبا تمجه اللغة العربية فضلا عن كونه لن
يستطيع إعادة تمثيل نفس الخصائص الأيقونية للدليل - المصدر، لذلك
فقد استنجد المترجم بالرمز الذي حوله إلى مؤول حال محلها، ثم جسد
نسخته، ويمكن تأكيد ذلك بالتدريج: فالدليل الأول والذي هو في شكل
تمثيله الأصلي مؤشر (مثله مثل اسم علم ما، أي أنه بدون رمز) قد
حوله إلى مؤشر على رمز صفات فعله ووظائفه: (الكتابة) أما الدليل
الثاني والذي لا نعرف العدد الذي يقصد به اثنان أو أكثر، نظرا
لاختلاف قيمة الجمع بين اللغتين، والذي لا نستطيع علاوة على ذلك
الجزم في تقديم معادل له في العربية، إذا ما استندنا إلى فهمه
بوصفه مؤشرا: (بدائل، إبدالات، نسخ، تكرارات، تضاعفات..) فقد
ربطه بالرمز العام المجرد (التناسخ)، الذي يستقطب كل تلك
الإمكانيات التي لا تفهم في الواقع إلا بفضله. وهكذا يبدو أنه لم
يجد بدا من تعويض الممكن بالضروري الذي صار تحت إرغام التحيين
الذي تفرضه الترجمة موجودا بفضل نسخة الرمز، ليتحول في النهاية
إلى أيقونة جديدة مخالفة للمصدر في العناصر والتركيب معا. إذ لم
يعد الدليل الثاني مرتبطا ومتعلقا بالأول عن طريق الضمير، بل
أصبحت العلاقة بفضل واو العطف فقط. وبغض النظر عن استثنائية هذا
النموذج (من جهة، لأنه ناتج عن إكراهات ثقافية تتصل بالأساس
بمبدأ الوحدانية، ومن جهة ثانية لأنه ترجمة لعنوان، والعنوان
يخضع لنظام سيميائي مخالف للأدلة النصية). فإنه يبقى نموذجا جيدا
لهذا النمط الترجمي، -حيث يوضح أن النص -الهدف يتماسف وينأى عن
النص-المصدر، إذ لا تكون العلاقة إلا تناظرا يشبه التناظر الذي
يوجد بين النصوص المتقاربة من حيث الموضوعات. إن العلاقة تنحو ما
يمكن أن نسميه بالتناص الكنائي(18)، أو ما يشبه ما أسماه القدماء
بالسرقة الأدبية. ولكي نؤكد هذا الابتعاد، فلنتصور أننا ممتلكون
للسنين اللغويين (العربي والفرنسي) وأن كتابين موجودان أمامنا،
وقد كتـب على الأول عنــــوان (l 'auteur) وعلى الثاني (الكتابة
والتناسخ) مع عدم وجود إشارة إلى المؤلف والمترجم، فهل نستطيع
اعتبار أحدهما ترجمة للثاني -وإن استطعنا اكتشاف علاقة التناص
المعنوي-؟ وهل يمكننا أن نترجم من جديد النص الهدف إلى لغة النص
المصدر وأن يقع -وفق نفس الفرضية- على النص نفسه؟ طبعا لا.
إن الترجمات التي تقوم على هذا المبدأ رغم توفر إمكانية إنجازها
وفق مبدأ التشابهية (كما هو حال العنوان "جماليات المكان" الذي
طرح ترجمة لعنوان "la poètique de l'espace")، هي ترجمات واعية
ومقصودة، إنها لا تترجم في الواقع، ولكنها تريد لأصحابها أن
يفكروا بأفكار الآخرين وحسب، ولذلك فإنها بالاستناد إلى
الأيقونية الفضائية (diagramme) توجد في آخر صف الترجمات وعلى
"اليسار"، وذلك دلالة على ابتعادها عن الأمانة، أما مسألة
الإبداعية -إذا ما توفرت- فتعود ليس بالضرورة إلى النص الأصلي،
بل إلى شكل إنجازها الحر، لأن الإبداعية تشكل غاية داخلية لها.
لقد اتضح أن كل النماذج الترجمية تجد مكانها الطبيعي بسهولة ضمن
إحدى الأيقونات، مثلها اتضح أن كل أيقونة تقبل استقبال أدلة
جزئية انطلاقا من قواعد تمثل أيقونة أخرى إذا كانت الإكراهات هي
المانعة من إنجازها وفق الأيقونة المشكلة للسنن العام للترجمة،
كما اتضح بشكل يكاد يكون طبيعيا أن الأمانة نسبية، وأنها تكون
إبداعية أكثر كلما كانت أيقونية أولانية. ولا تتحقق تلك الدرجة
من الأمانة والإبداعية إلا مع التماثلية على مستوى الأشكال، ومع
التشابهية على مستوى الأدلة بمعناها العام، وذلك واضح حتى من
النماذج المدروسة هنا: فالعنوان (العين والإبرة) المنجز وفق
التماثلية في مستوى الرتبة الفضائية والتركيبية، ووفق التشابهية
في مستوى تمثيل الخصائص الأيقونية الممثلة، وحده يقبل إذا ما
أعيدت ترجمته إلى الفنرسية، الوقوع على (L oeil et l aiguille)
(درجة قصوى من الأمانة) ثم إنه مع ذلك وهو يحتفظ بالخصائص
الممثلة للأيقونة في لغتها المصدر يضيف إليها في اللغة الهدف
خصائص تمثيلية تمنحها هذه اللغة تلقائيا، فتغنيها، إذ تصبح في
العربية مضاعفة، فإلى جانب العين الفيزيولوجي هناك المنبع
والجاسوس والربيئة… وكل ما يتصل بها. ونفس الشيء يقع مع الإبرة،
التي لا تنحصر في الشيء المتوسل به للخياطة أو النسيج. بل تنضاف
إلى أيقونتها خاصيات ممثلة ذات بعد ثقافي وعقائدي مثل دقة
المبحوث عنه…
هكذا، ونحن نلمس دقة مقترح الأستاذ مفتاح النظري، الذي وهو
يتجاوز حدسية الثنائيات، سواء كانت أخلاقية (أمانة / خيانة) أو
تقنية (حرفية / حرة) أو إيديولوجية (تواصلية/دلالية) استطاع
تقديم وصف يستطيع في آن أن يصف التجارب الترجمية المنجزة، وأن
يرسم الطريق للتجارب الممكنة. ولذلك نرى أنه مقترح يستحق العودة
إليه والانطلاق منه…
الهوامش:
1 - الجاحظ، كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام هارون، 1948، ج.1، ص
ص 75-76.
2 - Myriam SALAMA-CARR, la traduction à l'époque Abbasside
Coll "Traductologie" n°6 Didier 1990
-Amparo Hurtado Albir, la notion de fidélité en traduction,
Coll "Traductologie" n°5 Didier 1990.
3 - K.Popper, la logique de la découverte scientifique, ed.
Payot, Paris, 1973, pp (36-37à.
4 - H.Meschonnic, Pour la poétique II, Gallimard, 1973, pp
(305-436à.
5 - R.Jakobson, Essais de linguistique générale, ed, de
Minuit, 1963n p. 79.
6 - عبد السلام بنعبد العالي، الخيانة المضاعفة، مجلة فكر ونقد،
س.1، ع.2.
-الترجمة والاختلاف، الحياة الثقافية، وزارة الثقافة تونس،
ع.64-65. 1992.
7 - محمد مفتاح، التشابه والاختلاف، المركز الثقافي العربي،
1996.
8 - نفسه، ص 210.
9 - H.Gottner, Methodologie des théories de littérature in
A.K.Varga, et A.Théorie de littérature, ed. Picard, Paris,
1981, pp. 15-16.
10 - محمد مفتاح، مفهوم الحقيقة عند بورست، "الحقيقة المجتمعية"
مجلة فكر ونقد، ع.2، 56.
11 - C.S.Peirce, Ecrits sur le signe, Traduits.. par
G.Deledalle, ed.Seuil, p.149.
12 - نفس المرجع والصفحة.
13 - نفس المرجع، ص 150.
14 - انظر مقال ياكوبسون المترجم من قبل عبد المجيد جحفة ضمن
مجلة "فكر ونقد" عدد 10 1998.
15 - عبد السلام بنعبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر
(مجاوزة الميتافيزيقا) توبقال، 1991. (فصل النموذج والنسخة)
16 - - A.J.Geimas, Du Sens, Essais sémiotiques, Seuil, 1970,
pp. (157-183)
17 - عبد الفتاح كيليطو، العين والإبرة، ترجمة مصطفة النحال،
الفنك، 1996، ص 68.
18 - عبد اللطيف محفوظ، البناء والدلالة في الرواية.. رسالة
جامعية، (د.د.ع)، كلية الآداب الرباط. 86 . ص 206.
(*1) لا بد من افتراض أن التحليل يقوم انطلاقا من وعي ذات تدرك
أن "ازيشييل وهولدة" اسمان لعلمين مذكر وأنثى، وأنهما بفعل ذلك
ليسا انحلالا لرمزين، (لأن اسم العلم وهو مؤشر أصيل)، بل نسختين
لؤشرين. ويجب أيضا افتراض أنهما ليس دالين على واقعة تاريخية
مترسبة في الذهن الجماعي مثل علاقة قيس وليلى في ثقافتنا، لأن
ذلك سيجعل التحليل معقدا جدا.
(*2) المثال يعطيه بورست.
(*3) هناك فكرة مشوشة على صورة الحب في العربية ناتجة عن تحريف
استعاري سببه الاستعمال، يقول المرء بموجبها (أحب زوجتي) إن كلمة
أحب هنا استعارة لأسكن وأرتاح لزوجتي، فلا معنى لها إلا بوصفها
أيقونة لمؤشر دقيق مستعمل في الدارجة المغربية (أبغي) الذي له
معنى التفوق والظلم والامتلاك القسري (الأبيسية) المشوبة
بالرغبة. والدليل على ذلك أن القرآن الكريم استعمل السكن للتعبير
عن العلاقة الزوجية السوية، بينما استعمل الحب لعلاقة الخالق
بعباده الصالحين ولعلاقة هؤلاء به وبرسوله(ص)…
(*4) يستعمل مفتاح كلمة أيقون، لكننا نفضل استعماله السابق لها
(أيقونة) لكي يستقيم الإسناد إلى الترجمة، وأيضا لتحقيق توافق
أيقوني مع دلالتها بوصفها رحما لتوليد المعاني المتعددة
والمختلفة لنفس الدليل، فهي رحم للمعاني، ثم إنها لكي تولدها
تستدعي الرمز الذي يخصبها، لكي يتولد مع كل إخصاب ابن ما وجودي
هو المؤشر…
(*5) لقد ترجمت إلى الفرنسية من قبل البعض بـ Topologieعوض
Diagramme وبناء على قانونها درجنا العناوين الثلاثة التي
سنستعملها: العين والإبرة فلسان آدم فالكتابة والتناسخ، لكي تكون
في علاقة مع الأيقونات الترجمية التي تنضبط، في إنتاجها،
لقوانينها
------------------------------------------------
RETOUR
|