المغرب العربي و قضايا الحداثة

عبد الكبير الخطيبي

 

في التراث

نَنْفَصِلُ رَأْساً عن معنى "التُّراث" الشَّائع. صحيح أَن التُّراث هو عَوْدَةُ المَنْسِي. ولا بُدّ لهذه العَودة من أَن نَسْتَوْقِفَها ونطرح عليها الأَسْئِلة لِكَي تَدُلّنا على طريق المَوْتَى الذين يَتَكَلَّمُون، الذين يَتحدَّثون معنا. بماذا يَنْطق التراث، كُلّ تراث؟ إِنَّه ينطق بإِقامة الإِلهي في قُلوب البَشَرِ وعقولهم. وقد احْتَضَنَت المِيتافيزيقا هذه الإِقَامَة مُنْذ نَشْأَة الفِكر. فالميتافيزيقا هي، بِمَعْنى ما، سَماءُ التُّراث الرّوحيَّة. إِن أَداة التّصْدير "مِيتَا" (فيما وراء) تَجْمَعُ بين مصير الآلهة، بين الأَرْض والسَّماء من أَجْلِ عَوْدَةِ المَوْتى الذين يَتَكَلَّمون. غير أَنّ كَلام الموتى، في هذه العودة، شَديد البأْس دائماً على فِكرنا: فلسنا إِطلاقاً مُتَأَهِّبين كما ينبغي لكي نُجابِه هَوْلَهُم.

في الاخْتِلاف الوَحْشِي.

أَطْلق فَانُون قُبَيْل موته هذا النِّداء: "هيّا، أَيُّها الرُّفَقَاء، لقد انتهت اللعبة الأوروبية، ولا بدّ من البحث عن شيء آخر". هل المقصود هو التَّخَلِّي عن أوروبا، والابتعاد عنها إِلى الأَبَد؟ أَلَيْس هذا وَهْماً، ما دامت أُوروبا تُقِيمُ في كِيّانِنا؟ زِد على ذلك أَن الوجود العَرَبِي هو، في مشكلته القُصْوى، كَما نَعْتَقد، غَرْبٌ صَعْبُ المُعالَجَةِ أكثر من أيِّ وقت مَضى، وفي اختلافِه.

إِذا كان الغرب فينا، لا كشيء مُطْلَق، بل كاخْتِلاف نُقارِنُه بِدِقّة مع اختلاف آخَر يَدْعُونا هو نفسه إِلى التَّفْكير فيه، كما هُو في رِهان الفُروقات (فروقات الوُجود)، إِذا لم يَعُد اَلغرب إِذن وَهْمُ تَبَلْبُلنَا الخَاص، فإِنّ كُلّ شيء يبقى آنذاك للتّأمُّل حتّى الموت.

لِنُسَمِّ "الاختلاف الوحشي" ذلك الانفصال الزّائف الذي يقذف بالآخر إِلى خَارِجٍ مُطْلَق. الاختلاف الوحشي يُؤَدّي بشكل حَتْمي إِلى ضلالِ الهُويّات المَجْنونة: الثَّقافَوِيَّة، والتَّاريخَوِيَّة، القَوْمَوِيَّة، التَّزَمُّتِيَّةَ الوَطَنِيَّة، العِرْقِيَّة... كانت هذه الدَّعْوَة إلى الاختلاف الوحشي (الوحشي والسّاذج) السُّخط الذي لم نتأَمَّله، في مرحلة زوال الاستعمار، ويَظَلُّ نقدنا لِلْغَرْبِ أَسير العداوة وأَسير هِيغِلِيَّةٍ مُنْحَطَّة. وما نزال نتساءل: ما الغَرْبُ المَعْنِي؟ ما الغرب الذي نُعارضه بنا، فينا نحن؟ ومَن نحن؟ ص. 160

ثلاثة تحولات.

هكذا يَرْتَسِمُ المَغْرِبُ، كَأُفُقٍ للفكر، وِفقاً لثلاثة خُطوطٍ كُبرى:

-                              التُّراثَوِيَّة: نُسَمِّي الميتافيزيقا التي تَحَوَّلَت إِلى لاَهُوت تُراثَوِيَّة، ويُشير اللاّهوت هنا إِلى فكر الواحِد الأَحَد، المَوْجود كَوُجُودٍ أَوَّل، كَعِلَّةٍ أُولى.

-                              السَّلَفِيَّة: نُسَمِّي سلفية تلك الميتافيزيقا التي تَحَوَّلَت إِلى مَذْهَب. ويُشير المذهب هنا إِلى أخلاق سلوك سيّاسي، إِلى تربيَّة اجتماعيّة.

-                              العَقْلانِيَّة (السِّياسة، الثَّقافَوِيَّة التّاريخانيَّة، الاجتماعيّة...) نُسَمِّي الميتافيزيقا التي تحوَّلت إِلى تِقْنِيَّة، عقلانيّة. وتُشير العقلانيّة هنا إِلى تنظيم العالم بإِرادة قُوَّة جديدة تقوم على الوضعيّة العلميَّة.

الميتافيزيقا التي تحوّلت إِلى لاهوت ومذهب وتقنيّة: يمكن مقاربة هذه التَّحوُّلات الثلاثة بالتّاريخ وبعلم الاجتماع. هكذا نرى التّمييز عند إِدْيُولوجي مغربي (عبد الله العروي) بين الشّيخ ولليبرالي والتِّقني. مثل هدا التّمييز مُفيد بلا رَيب في التَّحليل النَّفسي – الأيديولوجي؛ لكنَّه لا يُلامِسُ قضيَّة العالم العربي إِلاّ من بعيد. لِماذا؟ إِنّ التّمييز الذي أَشَرْنا إِليه هو في منطقه الخاص، تمييز ناقص: أَين مكان التُّراثوي اللاَّمَذْهَبِي، والتُّراثوي اللاَّهوتي بالفعل؟ ثمّ ما نستخدمه على الأخص اليوم، ومنذ أمد، ليس مجرّد صورة اختباريّة من "أيديولوجية عربية ما" نصفها بأنّها معاصرة، وإِنّما هو بالأحرى المصير التّاريخي للعرب، وتراجعهم وانحدارهم نحو الغرب، من حيث أَن هذا المصير، وهذا التّراجع، وهذا الانحدار قائم، منذ فجر الإسلام.التَّارِيخِي ليس التَّأْرِخِي، والأيديولوجي مؤسس في الميتافيزيقا، والمُعاصر مُتَّجه نحو عودة الواحد أو الشَّيء ذاته: إِن مُساءَلَة العرب ما زال يَحْجُبُها إديولوجِيُّونا الذّين تشْغلُهم كثيراً السِّياسة الرّاهنة.

إِن الميتافيزيقا (الإِلهيّات) حاضرة كتفكير في الوُجُودِ والمَوْجُود، كتفكير في الجَوْهَر، في الواحِد والمُتَعَدِّد، منذ بداية الفلسفة في الإِسلام (الكندي). هذه الفلسفة -على غرار اليونان- "تعزل"، بمعنى ما، اللاّهوت النَّظري لعلم الكلام، الذي كانت مسأَلته الأَساسيّة تدور حول حُدوث الكلام الإِلهي أو قِدَمه. إِن انحسار هذه الفلسفة (منذ القرن الثّالث عشر) أَمر لم يُدْرَسْ. كَيْفَ نُحيط بمسألته. هنا والآن؟

كانت الفلسفة العربيّة تَعْرِفُ على طريقتها ما نتعلَّمه الآن في الغرب. لقد نسينا أَلِفْباء مسألة الموجود والوجود، الهُويَّة والاختلاف. ونتابع الثَّرْثَرة بِلاَ حَيَاءٍ حَوْلَ اسْتِعادَةِ الهُوِيَّة وحول الولادة العربيَّة الثَّانية. ولادة ثانِيَّة أَي شيء؟ الولادة من جديد في الفكر هي المصير المَأْثُور للأَشْباح، للموتى الذين يكلِّموننا. نحن تُرَاثَوِيُّون بنسيان التُّراث، مَذْهَبِيُّون بنسيان فكر الكَائِن، وتقنيّون بالعُبودِيَّة. مَنْ دَجَّنَنَا هكذا حتى يُصْبِح مِثْلُ هذا النِّسيان شَأْناً يتكرَّر جيلاً بعد جيل؟

غير أن النِّسيان ليس العَدَم، وليس هُروبَ الزَّمن، وإِنّما تَمَسُّكٌ به قوَّة أَخلاقيَّة فعَّالة وطاقة لاهوتية ضاربة. التُّراثَويَّة هي هذه الفعاليَّة، هذا الجُهد المُسْتَبْسِل للعقاب والإِكراه. لم نَقُل ما يكفي عن أَن الحُلم العميق للتراثوي هو أَن يأْخذ مكان الله، أَبَدِيّاً وثابتاً. وليس مُدْهِشاً أَن ينتهي بنفي نفسه في النّظرة الصّافية. ص. 166

في التاريخ.

كل مجتمع يعيد كتابة المَكان الذي يتأَصَّلُ فيه ثانيّةً، فيما يُعيد كتابة تاريخه. وبهذه الحركة يُسْقِطُ على الماضي ما يَفْلِت منه في الحاضر. بلى، إِن التّاريخ هو مَسْكَنُ الإِنسان ومَنْبت هويَّته المُتَعَدِّدة، لكن نحو أَيّ مكان تَأْرِيخي يتّجه؟

"لنُمارِس التَّاريخانيَّة المُعَمَّمَة": ذلك هو شِعار عبد الله العروي. لا شَكَّ في أن هذا التّاريخاني يتملَّك جدارة الإِرادة لإِعادة التّفكير في "الوعي التاريخي". بالنسبة إِلى الايديولوجية العربيّة، وبخاصَّة المغربية. إِنَّه يُلِحّ على الاستمرارية التّاريخية. وعلى أهميّة المراحل ذات الأَمد الطَّويل، من أَجل أَن يَرُدّ الوضع الاستعماري و"تخلُّفنا الثَّقافي" (هذه عبارة له) إِلى مجال تاريخي كُلِّي. إِذن من أجل أن يُدخل في عمل المؤرِّخين العرب ترتيباً نظريّاً آخر، ورؤيا أُخرى لأَنفسنا. يفضح العروي "استلاب المُواطن" بالبحث الذي نشأَ في المرحلة الاستعماريّة، أَو بالتراثوية تُثبت تاريخ العَرب في ماضٍ حَنيني. هذه الجهود كلّها ضروريّة ومفيدة. لكن المسأَلة التاريخية (مسأَلة الذِّروة والتّراجع. مسأَلة نُمُوّ الكائِن في مصير الشُّعوب والعالم) قُلِّصَت في تاريخانِيَّةٍ معمَّمة، لا تهدّد إِلاّ مأْزِقه الخاص. لِمَ هذا؟ إِنَّ العروي يَرُدُّ التّاريخ إِلى شُمولِيَّةٍ ميتافيزيقيَّة، نسيجها الاستمراريَّة والعقلانية والميل إلى النظام والإِرادة، من جهة أخرى، يتيح العروي، من حيث أَنه يريد أَن يغيِّر التاريخ، أَساسيّاً، بقانون الاستمرارية، للحركة الأُخرى أَن تَتَسَرَّبَ بين الأَصابع، حركة الفَرْقِ، واللاّاستمرارية والفوضى واللاّتماثل. هناك دائماً خسارة لا تُعوَّض في عنف الكائن (التاريخي).

هذا المأزق النَّظري، المَأْسُور في الميتافيزيقا، هو الذي جعله قريباً من الماركسيَّة. غير أَن الماركسيّة، في أَحد أَشْكالها الأَكثر صرامة ترفض:

-التاريخانية المُتعالية (تاريخانية المجتمع الإِقطاعي) التي تحدِّدها المُطْلَقات (الله، النُّبُوَّة، القَدَر...).

-تاريخانية الفكر الليبرالي (القرن الثامن عشر الأُوروبي) التي أَوْجَدَت بَدائِل تحُلّ محل مطلقات التّعالي، وهي بَدائِل مُعَلْمَنَة: العقل، الفرد، الحرِّية... لقد حدث تغيير إِيديولوجي. لكن التُّرْبَةَ الميتافيزيقيَّة بقيَّت هي إِيّاها.

لسنا مُلزمين باتباع المسيرة ذاتها، بأن نجتاز من جديد المراحلَ التي اجتازها الغرب. يجب أَن ننطلق رأْساً، من الموجود، من القائم هنا كمسأَلة. إِن أَلْتُوسِير، مثلاً، يعتبر أَن التّاريخ وصراع الطَّبقات قضيّة لا باعث لها ولا غائيَّة. لقد غيَّر موقف الماركسية النظري، دفعة واحدة في تجاوزه هذين النوعين من التاريخانية، اللّذين ذكرناهما. والواقع أن عمل العروي يبقى مُعَلَّقاً بينهما.

ما يلزمنا هو أن نتجاوز، من الجوانب جميعاً، الصُّورةَ الضيِّقةَ التي نملكها عن أنفسنا وعن الآخرين، وأَن نُدخل في المعرفة فُسْحَةً ذات محاور استراتيجيّة متعددة، وأَن نُفْرِغَ الكِتابة التّاريخية من المُطْلَقات (اللاَّهوت، المَرْكَزِيَّة اللاَّهوتِيَّة...) التي تُقيِّد الزمان والمكان وتقيِّد جِسْمَ الشَّعب.

وأَن نخلخل بنقد يَقِظٍ، نظام المعرفة السّائد (من حيث أَتَى)، هو أَن نُدخل النّظرية في الصِّراع الاجتماعي والسيّاسي. غير أَن لهذا الصّراع الحاضر لا حاليته المَنْسِيَّة التي يجب السَّيْر نحوها، في عنف الكائن التاريخي، في عالمٍ تقبض عليه أكثر فأَكثر إِرادةُ قُوَّة لا تُقاوَم.

إِن ما يهدم تاريخانية العروي هذه، هو أَمانتها للهُوِّية الوحشِيَّة، أي لـ"مسأَلة" ساذجة من مسائل الوجود. ومن هنا يخلط العروي بين "الآخَر" و"الغَيْر". و"الآخرين"، بين الأنتروبولوجيَّة الثَّقافية، وفكر الاختلاف، بين التّاريخي والتّأْرِيخي. زِد على ذلك أن آراءَه المختلفة حول الوجود العربي تسقط من تلقائها: فلسنا بحاجة إِلى الإِلحاح على هشاشتها. يكتب، مثلاً: "منذ ثلاثة أرباع القرن، يطرح العرب على أنفسهم سؤالاً وحِيداً واحداً: من الآخر، ومن أَنا؟ (الإديولوجية العربية، ص. 15) كما لو أن هذا السُّؤال ليس السؤال الجوهري لفكر الوجود، باستمرار. فبأَيّ سذاجة يَنْسَى العروي مسألة الوجود والموجود. المُؤْتَلِف والمُخْتَلِف، كما طُرحت في الفلسفة اليونانية والفلسفة العربية؟ إِن إِيديولوجية العروي مُنْهارَة، في أَساسها.

عن الهويّة العمياء.

التُّراثوية ليست التُّراث بل نسيانه، وهي كنسيان تجعل المذهب بديلاً عن المسأَلة الوجوديّة: أَوّلية كائن ثابت وأَبدي. والتّراثوية تحافظ على هذه الثُّبوتية وهذه الأَبديّة، وتُثْبِتُهُما إلى الأَبد في شريعة البَشَر لامتلاك الأَشياء.

غير أَن الإِرادة المَذْهَبِيَّةَ لا قدرة لها أَن تتجلَّى في غير حقل "واقع" خائب في ذاته، ملائم للوعي البائس. وتُريد السَّلفيَّة أَن تتجاوز هذا المأزق. إِن إِرادتها المذهبية تتمثَّل في: إِصلاح انحطاط العالم وفساده. (راجع النُّصوص المذهبية لعلاّل الفاسي).

لا تقدر التُّراثَوِيَّة ولا السَّلَفِيَّة أن تكونا في مستوى عُلُوِّ المغرب، كأُفُقٍ للفكر والفن. ما السّبب؟ لأَنهما بضياعهما في العالم المعاصر، لم تعودا قادرتين على الانقلاب ضد سلطانهما الديني واللاَّهُوتِي المَرْكَزي، ولا أَن تقوما بقفزة نظريَّة، أي أَن تتحاورا مع الخارج (الشَّر) الذي يُفْسِدُهُما ويدمِّرهما من الدَّاخل.

تُريد العقيدة السَّلفية أن تُؤَالِفَ التِّقنيةَ مع اللاَّهُوت، مُعْتَقِدَةً أَنها تُحَقِّق بهذه المُؤَالفة المُصْطَنَعَة اقتصاداً مزدوجاً:

-اقتصاد الوسائل: تصبح التقنية بحسبه، أَداة قابلة للاندماج في مجتمع كالمجتمع المغربي، دون أن تُسيء هذه الأَداة بشيء إِلى البنية الاجتماعية-الاقتصادية التي تُسْنِد السّلفية.

-اقتصاداً غائيّاً: ويُفْتَرَضُ فيه أنّ التقنية مُفْرَغَة من القِيَّم التي تُؤَسِّسه. تصبح التِّقنية إذن قابلة لأَن تُروضها وتوجهها الإِرادةُ السّلفيةُ وِفْقاً لأَهدافها الخاصَّة. إِن خللاً فكريّاً كهذا يحدّد بوجه خاص شكلاً سائداً من الهُوِيَّة العمياء. ص.170

 

 

 

 

عبد الكبير الخطيبي، المغرب العربي و قضايا الحداثة، منشورات عكاظ، الرباط 1993

ترجمه إلى العربية: أدونيس.

 

 

 

 

 

---------------------------

 

إطبع هذه الصفحة

أرسل هذه الصفحة إلى صديق

  RETOUR   
 

أغلق الصفحة