|
خمسة
دروس حول فكرة الفينومينولوجيا
إدموند هوسرل
L’idée
de la phénoménologie, Cinq leçons
ترجمة ذ.احمد الصادقي
|
الدرس الأول
لقد قُمْتُ
في الدروس السابقة بالتمييز بين العِلم
الطبيعي والعلم الفلسفي. العلم الأول يجد أصله في
الموقف الذي يقيمه العقل الطبيعي، والثاني يجد
أصله في الموقف الذي يؤسسه العقل الفلسفي. إن
العقل الطبيعي لا يهتم بنقد المعرفة. ونحن
نتجه-هنا- بالحدس وبالفكر نحو الأشياء التي تعطى
لنا في كل مرة. ففي الإدراك البصري، مثلا، يقوم
شيء ما أمام أعيننا، وسط الأشياء الأخرى، حي أو
غير حي، ذا نفس أو بدون نفس، يعني أنه وسط العالم،
في جزء منه يكون تحث نظر أعيننا وفي جزء آخر منه
يكون معطى في تسلسل الذكريات فيمتد، بذلك نحو
المجهول ونحو اللامحدود
هذا العالم الذي ترتبط به أحكامنا هو الذي نقيم
حوله منطوقات أو قضايا، تكون في جزء منها فردية
وفي جزء آخر
تكون
عامة. هي قضايا متعلقة بالأشياء، بالعلاقات
القائمة بينها، بتحولاتها، بتبعياتها، وبالقوانين
الوظيفية لهذه التحولات. إننا هنا نعبر عن ما
تقدمه التجربة المباشرة. وتبعا للمبررات التي
تقدمها هذه التجربة نقوم بالاستدلال على ما ليس
معطى في هذه لتجربة المباشرة نقوم بعملية تعميمية،
ثم نُطَبِّق
هذه المعرفة العامة من جديد على حالات خاصة. في
الفكر التحليلي تتم عملية استنباط عموميات جديدة
من معارف عامة.
غير
أن
المعرفة لا يتبع أحدها الآخر على طريقة تجاور
بسيط، بل إنها تدخل في علاقات منطقية فيما بينها
فينحدر بعضها عن بعض، "تتوافق" فيما بينها، يثبت
بعضها بعضا، فتزيد، بذلك، في قوتها المنطقية. هذا
من جهة، ومن جهة أخرى تدخل في علاقات تناقض وصراع
فيما بينها. وهذا ما يجعل من معرفة ما أن تكون مُلْغاة
بفعل معرفة أخرى أكيدة، وتضحى (تلك المعرفة
الملغاة) مجرد مزاعم. من الممكن أن يكون أصل
التناقضات قائما في دائرة قوانين الشكل الحملي
الخالص، تظهر في الحال الذي نكون فيه داخل أشكال
من اللبس فنرتكب عددًا
من التعارضات، نخطئ ونحن نعد ونحسب. نتجه من تم
نحو إقامة التماسك الصوري كي نقضي على أشكال اللُّبس
هذه. لكن كيف يمكن الخروج من الصعوبة التالية وهي
عندما تقطع التناقضات تسلسل البواعث أو العطاءات
التي تؤسس التجربة. هذه التناقضات هي وجود مبررات
نابعة من تجربتين تنازع الواحدة الأخرى. لا بد إذن
أن نقيم وزنا لتلك المبررات التي تحضر أكثر وتكون
صالحة في مختلف إمكانيات التحديد والتفسير. الأكثر
ضعفا ينبغي أن يترك الميدان للأكثر قوة
…
بهذه الكيفية تتقدم المعرفة الطبيعية. إنها توسع
بحثها في الوجود الذي وجوده وحضوره مترادفين،
فالأمر هنا لا يتعلق بعملية تنقيب عن هذا الوجود
إلا فيما يخص امتداده ومحتواه أي العناصر
والعلاقات والقوانين. هكذا تتولد العلوم الطبيعية
وتنمو:علوم الطبيعة مثل علوم الطبيعية الفيزيائية
والنفسية (علوم الذهن كذلك) من جهة ومن جهة أخرى
العلوم الرياضية، علوم الأعداد، المجموعات،
العلاقات، الخ.لا يتعلق الأمر في هذه العلوم
الأخيرة بتجارب واقعية وإنما بإمكانيات فكرية تحمل
الصلاحية في ذاتها، ولكنها لا تطرح مشكلا. في كل
خطوة من خطوات المعرفة العلمية الطبيعية تظهر
الصعوبات وتنحل. فهذه العلوم تحل الصعوبات إما في
ارتباط مع الصورة المنطقية الخالصة وإما في ارتباط
مع الأشياء، يعني بفعل دوافع ومبررات قاطنة في
الأشياء تظهر منها وتخرج منها كمقتضيات تقدمها إلى
الفكر والمعرفة.
سنقوم الآن بمعارضة موقف الفكر الطبيعي والمبررات
الطبيعية للفكر بالمبررات الفلسفية. فمع يقظة
التفكير حول العلاقة بين الذات والموضوع تم افتتاح
عدد من الصعوبات حيث إن
المعرفة التي تظهر في الموقف الطبيعي عادية تظهر
الآن، دفعة واحدة، كأمر محير. ينبغي، والحالة هذه،
أن أكون أكثر تدقيقا فأقول: ما
يكون
عاديا بالنسبة للفكر الطبيعي هو إمكان المعرفة. إن
الفكر الطبيعي، بفعل خصوبة نشاطه وتقدمه في العلوم
التي تتجدد باستمرار من اكتشاف إلى آخر، لا يجد أي
مبرر يدفعه لإثارة السؤال حول إمكان المعرفة
عموما. صحيح أن المعرفة مثل كل شيء آخر في العالم
يمكن أن تصبح، بالنسبة للفكر الطبيعي، بمعنى ما،
مشكلة. المعرفة نشاط يشكل جزءا من الطبيعة. إنها
معيش بعض الكائنات العضوية التي تتمتع بالمعرفة.
المعرفة حدث سيكولوجي، وككل حدث سيكولوجي، من
الممكن وصفها، وصف أنواعها وأشكال ترابطاتها، يمكن
دراسة علاقاتها الأجناسية. هذا من جهة، ومن جهة
أخرى تكون المعرفة، من حيث ماهيتها، هي معرفة
الموضوع وذلك بفضل المعنى المُحايِث
لها،المعنى الذي به ترتبط بالموضوع.
ينشغل الفكر الطبيعي بهذه الروابط فهو يجعل من
العلاقات القبلية للدلالات ومن صلاحية الدلالات
وكذلك القوانين القبلية التي تنتمي إلى الموضوع
بما هو كذلك، موضوعا للبحث، ولكن في عمومية شكلية.
ومن هنا يتولد علم نحوي خاص، كما يظهر في مستوى
أعلى منطق خالص. أكثر من ذلك يتولد منطق معياري
وتطبيقي كتكنولوجيا للفكر، وخصوصا الفكر العلمي.
إلى هذا الحد نجد أنفسنا في ميدان الفكر الطبيعي.
والحال أن الترابط الذي أشرنا إليه لوضع سيكولوجيا
المعرفة في تعارض مع المنطق الخالص (وكذلك مع
الأنطولوجيات) يعني التعارض بين المَعيش
المعرفي، الدلالة، والموضوع، هو مصدر المشاكل
الأكثر عمقا والأكثر صعوبة. كي نختزل هذا المشكل
في كلمة نقول: إنه إِمْكان
المعرفة.
المعرفة في هذا الإشكال هي معيش نفسي. هي ذات
عارفة. الموضوعات المعروفة تكون في حالة تعارض
معها. كيف يمكن للمعرفة، والحالة هذه، أن تَأْتَمِن
على توافقها وتلاؤمها مع الموضوعات التي تعرفها؟
كيف يمكن أن تخرج من ذاتها إلى ما ورائها كي تبلغ
بأمان موضوعاتها؟ هكذا يتوقف حضور موضوعات المعرفة
في المعرفة من أن يكون عاديا كما هو الحال في
الفكر الطبيعي ليصبح لغزا.
في الإدراك يبدو الشيء المدرك كشيء معطى مباشرة.
هذا هو ذلك الشيء. إنه هناك أمام عيني اللتين
تدركانه إنني أراه وأمسك به. أما الإدراك فإنه ليس
سوى معيش ذات هي ذاتي التي تدرك. وبالمثل فإن
الذكرى والانتظار وجميع أفعال الفكر التي تنبني
عليها، والتي بفعلها يتكون موقف غير مباشر لكائن
واقعي، وكذلك إثبات كل نوع من أنواع الحقيقة عن
الوجود، كل ذلك هو معيشات ذاتية. من أين لي أن
أعلم، أنا الذي يعرف، بأن أفعال التّعرف
الموجودة هذه ليست وحدها معيشاتي وإنما كذلك ما
أعرفه؟.من أين لي أن أعلم بأن هناك أي شيء يمكنه
أن يعارض المعرفة من حيث يكون هو موضوعها؟ هل
ينبغي علي أن أقول بأن الظواهر هي وحدها التي تكون
معطاة، حقيقة، للذات العارفة، أم أن هذه الأخيرة
لا تصل أبدا إلى ما وراء تسلسل معيشاتها وبالتالي
فإن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يكون هو أنني
موجود؟ اللاأنا هو بكل بساطة ظاهرة تذوب في
العلاقات الظواهرية. هل يجب علي إذن أن أتبنى وجهة
نظر الأناوحدية
solipsismeوأعتبرها
منظورا صلبا؟
هل يجب أن أستنبط مع هيوم الموضوعية المتعالية
للوهم والتي تترك نفسها تفسر من طرف علم النفس دون
أن تكون مبررة بشكل عقلاني؟
لكن هذا أيضا منظور صلب.
ألا تجعل سيكولوجيا هيوم،
كأية سيكولوجيا أخرى،
دائرة المحايثة متعالية؟
ألا تشتغل تحث عناوين من طراز:
عادة،
طبيعة إنسانية،
عضو الإحساس،
الإثارة،
الخ،
مع كيانات أخرى متعالية عندما تسعى إلى استخلاص
الوهم بحيث تتعالى المعرفة عن الانطباعات والأفكار
الراهنة؟
لكن لأي شيء سيكون المنطق مفيدا ما دام هو نفسه
يوضع موضع تساؤل ويصبح إشكاليا؟
في الواقع أن صلاحية القوانين المنطقية بالنسبة
لما هو واقعي،
هي في نظر الفكر الطبيعي في منأى عن الشك.
هذه الصلاحية تصبح الآن إشكالية بل وريبية.
إن اعتبارات بيولوجية تفرض نفسها على الذهن.
إننا نتذكر هنا النظرية الحديثة عن التطور والتي
بحسبها حصل تتطور الإنسان ضمن الصراع من أجل
الحياة وبفضل الانتقاء الطبيعي.لقد تتطور الإنسان
ومعه عقله مع جميع الأشكال التي تخصه ومن بينها
الأشكال المنطقية.
ألا يمكن القول بأن الأشكال والقوانين المنطقية
تعبر عن الصفة الإمكانية أو
الاحتمالية للنوع الإنساني بحيث يكون من الجائز أن
يصير آخر أو يصبح آخر عبر التطور المستقبلي؟
المعرفة هي إذن فقط إنسانية،
بمعنى أنها مرتبطة بالأشكال العقلية للإنسان ومن
تم عاجزة عن بلوغ طبيعة الأشياء،
عن بلوغ الأشياء في ذواتها.
لكن إذا ما تم التضحية بالقوانين المنطقية سوف
ينبثق من جديد لا
معنى ما،
إذ يمكن التساؤل حول ما إذا كان من الممكن أن يكون
لهذه المعارف، التي سيتم بها فحص تصور مثل هذا
والإمكانات التي يتبصرها هذا التصور،
معنى داخل نِسْبَوِيَّة
مثل هذه؟.في الحقيقة يوجد هذا الإمكان أو ذاك. لكن
ألا نفترض ضمنيا الصلاحية المطلقة لمبدأ التناقض
الذي بحسبه يتم إقصاء تناقض حقيقة ما؟
هذه الأمثلة كافية، إذ أن إمكان المعرفة يصبح في
كل مكان لغزا محيرا.إننا عندما نلج العلوم
الطبيعية كي نعيش داخلها، نلتقي بكل شيء قد بلغ
مرحلة الدقة والوضوح والمفهومية
conceptualité
يحصل لدينا اليقين بأننا هنا نتملك حقيقة موضوعية
مبرهن عليها بفعل مناهج أكيدة، مناهج تتوصل، بصورة
واقعية إلى الموضوعية. وبمجرد ما ننتقل إلى التأمل
حتى نجد أنفسنا في لُبس،
في فوضى وتضليل. نسبح هنا في تشويش حاصل عن
تعارضات ظاهرة بل وتناقضات. فنحن هنا دوما في خطر
السقوط في الريبية. وبالأحرى في مختلف أشكال
الريبية التي، سِمتها
للأسف، هي العبث دائما.
مسرح أشكال اللبس هذه والنظريات المتناقضة وكذا
الخصومات المرتبطة بها والتي لا تنتهي إنما
هو(مسرح) نظرية المعرفة وكذلك الميتافيزيقا
المرتبطة بها والتي هي تاريخيا وكأنها من طرف
طبيعة الأشياء. إن مهمة نظرية المعرفة هي أولا
وقبل كل شيء مهمة نقدية، فعليها أن تفضح أشكال
اللبس والغموض التي سقط فيها التفكير الطبيعي حتما
حول العلاقة بين المعرفة، المعنى المعرفي وموضوع
المعرفة. يجب عليها بالتالي أن تفند النظريات
الريبية بإظهار عبثيتها فيما يخص ماهية المعرفة
سواء كان ذلك بشكل ظاهر أو بشكل خفي.
من جهة أخرى، فإن لنظرية المعرفة أيضا، من خلال
دراسة ماهية المعرفة، مهمة إيجابية تتجلى في تبني
حل للمشاكل التي تقوم في الترابط بين المعرفة،
المعنى المعرفي وموضوع المعرفة. من بين هذه
المشاكل مشكل تبيان المعنى (الجوهري) لموضوع
المعرفة وما يعود إلى الموضوع عموما: إنه المعنى
المرسوم للموضوع قبليا (يعني بالتطابق مع الماهية
) بفعل الترابط بين المعرفة وموضوع المعرفة.إن هذا
يشمل طبعا جميع الأوجه التي تفرضها ماهية المعرفة
والموضوعات عموما( الأشكال الأنطلوجية والقضوية
والميتافيزيقية كذلك)
بفعل هذه المهام تصبح نظرية المعرفة مؤهلة لنقد
المعرفة أو بشكل أوضح مؤهلة لنقد المعرفة الطبيعية
في العلوم الطبيعية كلها.إنها تضعنا في حالة من
التأويل المضبوط والمحدد لنتائج العلوم الطبيعية
المتعلقة بالوجود .فالغموض الغنوصيولوجي
gnoséologique
الذي يضعنا فيه التفكير الطبيعي(السابق على نظرية
المعرفة) حول إمكان المعرفة (حول صلاحية ممكنة
للمعرفة) ليس من نتائجه حصول تصورات مغلوطة تتعلق
بماهية المعرفة، وإنما أيضا تأويلات خاطئة، بشكل
جوهري، للوجود المعروف في العلوم الطبيعية،-لأنها
متناقضة في ذاتها. بحسب التأويل الذي (يقول) أن
مثل هذه التأملات تقود إلى ضرورة تأويل علم
طبيعي، ثارة في معنى مادي، ثارة في معنى روحي ثارة
في معنى ثنائي سيكوأحادي وضعي، وفي معاني أخرى
كثيرة. مع التفكير الغنوصيولوجي فقط يتم التمييز
بين العلم الطبيعي والفلسفة. وفقط بفضله تظهر
العلوم الطبيعية بأنها ليست علوما نهائية عن
الوجود. ينبغي أن يقوم هناك علم عن الوجود يكون
مطلقا. هذا العلم الذي نطلق عليه اسم ميتافيزيقا
يتولد عن (نقد) للمعرفة الطبيعية للعلوم الجزئية،
نقد يستند إلى ما هو مكتسب في النقد العام
للمعرفة، لماهية المعرفة، لموضوع المعرفة، في
أوجهه الأساسية المختلفة، يستند إلى الذكاء الحاصل
من مختلف الترابطات الأساسية بين المعرفة وموضوع
المعرفة.
إذا ما أغضضنا الطرف عن التطبيقات الميتافيزيقية
لنقد المعرفة كي نتشبث بكل بساطة بمهمته الخاصة
التي هي الإبانة عن ماهية المعرفة وموضوع المعرفة،
فإن هذا النقد سيكون هو فينومينولوجيا المعرفة
وفينومينولوجيا موضوع المعرفة ويشكل من تم الجزء
الأول والأساسي للفينومينولوجيا على العموم.
فينومينولوجيا: هذا تعيين لعلم، لمجموعة من الشُّعب
العلمية. لكن،
فينومينولوجيا، (مصطلح) يعين أولا وقبل كل شيء
منهجا وموقفا فكريا: موقف فكر فلسفي بشكل خاص
ومنهج فلسفي بشكل خاص.
إن المستوى الذي تزعم فيه الفلسفة المعاصرة بأن
تصير علما قد صار مكانا مشتركا حيث إن جميع العلوم
وكذلك الفلسفة تشترك في منهج للمعرفة. وهذا
الاقتناع يستجيب بشكل مطلق للأشكال التراثية
الكبرى لفلسفة القرن السابع عشر والتي اعتقدت
فعليا بأن سلام الفلسفة هو في أن تتخذ لنفسها
العلوم الدقيقة نموذجا منهجيا، وقبل كل شيء
الرياضيات والعلوم الرياضية للطبيعة. على أساس هذا
التمثل والاستيعاب للعلوم الذي تقوم به الفلسفة
فيما يتعلق بالمنهج يقوم كذلك تمثلها للموضوع،
وينبغي علينا أن نعتبر بأن الرأي المهيمن اليوم هو
أن الفلسفة، وبشكل أدق، المذهب الأخير حول الوجود
والعلم، يمكنها أن ترتبط، ليس فقط بكل العلوم،
وإنما يمكنها أيضا، أن تتأسس على نتائجها
وبنفس الكيفية التي تتأسس فيه العلوم الواحدة على
الأخرى، فإن نتائج إحداها يمكن أن تصلح كأوليات
للأخرى. أستحضر هن |