* قبر واحد لسماء كاملة *

عبدو أوميد، من سوريا

 

 

-1-

بلا طائلٍ أغوصُ في العُمقِ، هباءٌ يغمرُ كلّ ما كانَ، كلّ ما هوَ كائنٌ، هباءٌ يلوّحُ ثملاً في الأفقْ.

فكّرتُ بعقلِ المكانِ: ما الذي يعنيهِ مسافرٌ ما؟

بعقلِ المسافرِ: ما الذي يعنيهِ مكانٌ ما؟

بعقلِ الطريقِ: ما الذي تعنيهِ خطوةٌ ما؟

بعقلِ الخطوةِ: ما الذي تعنيهِ خطوةٌ أخرى؟

بعقلِ الحلمِ : ما الذي يعنيهِ صباحٌ آخر؟

بعقلِ الدائرةِ: ما الذي تعنيهِ بدايةٌ-نهايةٌ أخرى؟

بعقلِ النهايةِ: ما الذي يعنيه كل هذا؟

بعقلِ كلِّ شيءٍ: ما الذي يعنيهِ أيُّ شيء؟

-2-

لا أشعر بذاتي بين، فقط في البداية، فقط في النهاية، ما عداهما في الحلم وحسب.

 أعتقد ثمة فناءٌ في كل هذا، أو وجود بمعنىً آخر، أقصدُ أنا، حيث كل شيءٍ عدايَ فناءٌ، أو وجودٌ بمعنىً آخر، أقصدُ ما عدايَ.

ثمة فناءٌ يمدُّ رأسه في كلِّ هذا، يُحملقُ من كوّة الحلم، أتسائلُ: ما الذي يهبُ المكان وجوداً، هيئةً مختلفةً عن الحلمِ؟ ما الذي يهبُ الزمان كذلك؟.

أخالُ: ثمّةَ مكانٌ آخر غيرهما، وما الحنينُ سوى لما لمْ نرهُ واقعاً أو حلماً، إنهُ فناءٌ ووجودٌ في آن، وبمعنىً واحدْ.

ثمةَ شيءٌ مختلفٌ دائماً في مكانٍ ما، شيءٌ لن نعرفهُ قط، شيءٌ يتملّكُنا على الدوامِ، ويُشعِرُنا أننا نحنُ، وما عدانا شيءٌ واحدٌ بالمعنَيَيْن.

-3-

الحقيقةُ إنّني كثيرُ التكلّمِ عن ما لا أعرفهُ كما لو أنّي أعرفهُ بطريقةٍ ما، كما لو أنّي فكرتُ فيه بعقلٍ آخرَ هو لي أيضاً بطريقةٍ ما.

 ثمةَ شيءٌ خارج المعنى واللامعنى معاً، شيءٌ مُبهمٌ وجليٌّ في آن، الغموضُ مُأطّراً بالبداهةِ، البداهةُ مأطّرةً بالغموض.

ثمة لوحةٌ لا إطار لها، ثمة إطارٌ بلا لوحةٍ، لكنْ ثمةَ ما يؤطرهما، وثمة في النهاية ما لا يُؤطّرُ أبداً.

أعتقدُ إنهُ ليسَ بلوحةٍ ولا بإطار، إنهُ شيءٌ مختلفٌ تماماً، شيءٌ لن نعرفهُ قط، شيء يتملّكنا على الدوام ويُشعرنا أننا وما عدانا شيءٌ واحدٌ بالمعنيين.

-4-

الخيالُ الذي فتحََ البابَ أغلقهُ أحدُهمْ - الذي لن يمرَّ مِن هنا ثانيةً-، الذي لن نراه، ولن نعرفهُ أبداً، الذي لنْ يبصرَ البابَ لكنهُ يعرفُ أنّهُ موجودٌ في خيالٍ ما، خيالٌ لن يفتحَ بابهُ أحدٌ، خيالٌ ليسَ بلوحةٍ، خيالٌ ليس بإطارٍ، خيالٌ فتحَ البابَ وحسبْ.

-5-

بلا طائلٍ أغوصُ في العمقِ مُبرراً ما ليسَ كذلكَ، أيُّ حكمةٍ تبرّرُ ذاتها، أيُّ معنىً يصدّقُ ذاتهُ كمعنى، ربما يكون شيءٌ من هذا القبيل لكن بمعنىً آخر.

أتسائلُ: ما الحكمة من فعل أي شيء؟ ما الفارقُ الحقيقيُّ في حال لم يكن؟ ثمَّ ما المُمكِنُ حقيقةً؟ ما المعنى غائماً في سماء الحقيقةِ، ما الحقيقةُ غائمةً في سماءِ المعنى؟.

من لهْوٍ تتقافزُ الفِكرةُ إلى لهْوٍ مُبرِّرةً كونَها كذلكَ.

-6-

بلا طائلٍ أغوصُ في العُمق، العقولُ خابيةٌ في أعماقها، ظلامٌ وسكونٌ رهيبٌ، بابٌ أغلقهُ أحدهم، خيالٌ محضُ الصدفةِ، خيالٌ محضُ الرغبة، رغبةٌ محضُ رغبةٍ، رغباتٌ تسبحُ في فلكِ الهباء، هباءٌ يغمر الخيال معنىً وحقيقةً، ثمة من فتحَ البابَ، ثمةَ خيالٌ أغلقهُ، ثمة من لم يرَ هذا، ثمة مَن لن يراه أبداً.

-7-

 لكلِّ مكانٍ عقلٌ كما لكلِ عقلٍ مكانٌ، لكنْ ثمةَ خيالٌ لا يعرفُ الاثنينْ، صرخْتُ: أيّ ألمٍ صارخٍ تديرُ لهُ ظهركَ؟

أطرقَ الخيالُ صامتاً، تداعى البابُ في مكانٍ ما، أحدُهم مرَّ مِن هنا، لكننا لم نرهُ ولن نراهُ أبداً.

-8-

ما الفارقُ بعقلِ أيِّ شيءٍ، برئةِ أيّ شيء؟

فكـّرْ بأيـّما عقلٍ، بأيـّما رئةٍ، عقل الخرابِ، أو رئة الحلمِ، عقل المعرفةِ أو رئة المجهول، عقل الصيفِ أو رئة الشجرة.

ما عليكََ سوى أنْ تفتحَ البابَ، لكَ عقولٌ ورئاتٌ كثيرةٌ، افتحْ البابَ وحسبْ، افتح العقول والرئات كلها في رحلة الفارق، جِدْ الفارقَ في أيّما بابٍ، فكر وتنفّسْ الجهات كلها، افتح الباب وحسبْ، بعقلِ الرئةِ، أو رئةِ العقلِ، ثمّة شيءٌ في مكانٍ ما ؟؟؟؟؟؟!!!!!!!!.

-9-

الذي لمْ يشعر بهِ أحدٌ، لمْ يُغلِقْ البابَ حتى الآن، ريناتو ذو السروالِ القصير. الرغبةُ التي أسقطتْهُ عن الشجرةِ زرعَتْ في ساقهِ شجرةْ.

السقوطُ الذي لمْ يعتذرْ حتى الآن.. الرغبةُ التي تضحكُ في الأعلى، السروالُ الذي لا يزال يقصرُ........

ريناتو الذي ما يزالُ طفلاً لنْ يغلقَ الباب أبداً....

 

************************

*إذا ً*

أنا شرفة ٌ

 لا تطلُّ على أيّ شيءٍ،

 أنا شارعٌ

 ليس يُفضي

 إلى أيِّ شيءٍ،

 ولا شيءَ يُشعرني

 أنَّ لي حيّزاً

 في الفراغِ

 ولستُ دخيلا ً

 على عتباتِ

المكان،

وأنّي أنا واحدٌ

من هنا،

آخرٌ من هناكَ.

أنا عاشقُ الطرقاتِ

الطويلةِ،

مستنقعُ الأمنياتِ

الخجولُ،

المدى الغجريُّ

أنا سيّد الخطواتِ

الكسيحةِ،

لا ريحَ تسندني،

لا أسرّةَ تفرشُ ليلكها

في دمي،

لا حبيبة َ تحملني

في حقيبتها المدرسية،

لا وقتَ يجعلني واقعياً،

أنا بينَ بين؛

الخيال – الصدى.

لا نهارَ يُباغتُ

لي صحوتي،

الشمسُ ملئُ مدايَ

ولا ضوءَ

في داخلي،

لا ظهيرة َ

لا عصرَ

لا ليلَ ينثرُ

أحلامهُ في رمادي ،

تكذبُ في غفلة ٍ

من أنايَ

التي لا تنامُ ،

إذاً :لا مكانَ

يلائمُ ضيفاً

ثقيلَ الحقيقةِ ،

لا أرضَ تعجبهُ ،

لا هواءَ

يجيدُ النفاذ َ

إلى رئتيهِ ،

ولا ماءَ

يُطفئ ُ فيه ِ

الجحيمَ.

إذاً :لا زمانَ

يجيدُ المرورَ

على جسرِ أعصابهِ،

لا يعي الوقتَ ،

لا يستجيبُ لفوضى

الفصولِ،

وليسَ له والدٌ

او حذاءٌ،

شريدٌ يسيرُ

على قلبهِ

حافيا ً

لا يفرّق

بينَ الزقاق ِ

وبين المدى،

بين أنثى الخيال

وأنثى الصدى،

فليَمُتْ

أو فليعِشْ

هكذا

نصفَ موتٍ

إذاً:

*********************

*أصوات*

كلُّ صوتٍ لغة ٌ

كلُّ صوتٍ كائنٌ

تُرى كيفَ للعقلِ أنْ يرصدَ الخاتمة ،

أنْ يُشيرَ إلى الشيءِ من حيثُ ليسَ لهُ أيُّ معنى؟

وكيف يكونُ لنا ما لنا؟

كيف ندخلُ أحلامنا؟

كيف نخرجُ منها؟

وكيف نعودُ إلى ذاتنا؟

قانطاً أتسائلُ:

كيف نكونُ لنا؟

كلُّ صوتٍ هاجسٌ

كلُّ صوتٍ فلاة ٌ

يقولُ صديقي: " ينادوننا من بعيدٍ فنبصرُ صوبَ السماءِ،

ينادوننا من قريبٍ – ومنّا -  فنشردُ من دونِ مغزى"

هنا أو هناك

بأيِّ اتجاهٍ سنسْردُ هذا الحديثَ ؟

بأيِّ لسان ٍ سنعلنُ أنا ابتدئنا الكلامَ ؟

وأيّة ُ آذانَ صاغيةٍ سوف تسمعنا ؟

ثمَّ هل أنتَ حقاً صديقي ؟

وهل من يُحدثكَ الآنَ حقاً أنا ؟

كلُّ صوتٍ لعنة ٌ

كلُّ صوتٍ فناء .

قبعة الاختفاء

لفراشةٍ أخرى،

لموتٍ غابَ

عن ملهى الفصولِ ،

لذلك المنسيِّ

بين شواهد الغرباءِ

- لم يتركْ حذاءهُ عالياً -

للظلِ لم يقرأ

سوى بُعْدٍ هزيل ٍ

مثلَ معنىً غامض ٍ

ونسى الفراغَ .

فراشة ٌ أخرى،

وموتٌ يزرعُ

الأنقاضَ ذاكرة ً

لأرصفةِ الحقيقةِ .

لمْ يكن للضوءِ

رائحة السنابلِ ،

لم يكنْ شيءٌ

ليُغني خطوةَ القرويِّ

عن عكازةٍ

تُملي الطريقَ

على عيون ٍ

لا تجيدُ السمعَ ،

لم تكن البداية ُ

فظّة ً أبداً

أبَتْ أنْ تقتفي

أنثى الرحيق

ولم تكنْ هي ذاتها

بل نحنُ،

لم تكن النهاية ُ

غيرَ قبّعةٍ

- نعم للاختفاءِ -

ولم يكنْ للنهرِ

قنديلٌ

يُلملمُ طيشه،

أيضاً

ولمْ يكنِ

الطريقْ.

********************

*قبعة الاختفاء*

لفراشةٍ أخرى،

لموتٍ غابَ

عن ملهى الفصولِ،

لذلك المنسيِّ

بين شواهد الغرباءِ

- لم يتركْ حذاءهُ عالياً -

للظلِ لم يقرأ

سوى بُعْدٍ هزيل ٍ

مثلَ معنىً غامض ٍ

ونسى الفراغَ.

فراشة ٌ أخرى،

وموتٌ يزرعُ

الأنقاضَ ذاكرة ً

لأرصفةِ الحقيقةِ.

لمْ يكن للضوءِ

رائحة السنابلِ،

لم يكنْ شيءٌ

ليُغني خطوةَ القرويِّ

عن عكازةٍ

تُملي الطريقَ

على عيون ٍ

لا تجيدُ السمعَ،

لم تكن البداية ُ

فظّة ً أبداً

أبَتْ أنْ تقتفي

أنثى الرحيق ِ

ولم تكنْ هي ذاتها

بل نحنُ ،

لم تكن النهاية ُ .

غيرَ قبّعةٍ

- نعم للاختفاءِ -

ولم يكنْ للنهرِ

قنديلٌ

يُلملمُ طيشه ،

أيضاً

ولمْ يكنِ

الطريقْ.

سوريا –ع. أوميد

omidabdou@hotmail.com

--------------------------------------

إطبع هذه الصفحة

أرسل هذه الصفحة إلى صديق

   RETOUR

أغلق الصفحة