|
«Il
n’y a pas d’idées justes,
il y a juste des idées»
G.Deleuze
منذ
عشر سنوات خلت، في الساعات الأولى من صباح الرابع
من نوفمبر سنة 1995 وضع الفيلسوف الفرنسي جيل
دولوز حدا لحياته، بعد معاناة طويلة مع المرض. لم
يكن الخبر مفاجئا فقد كان الرجل، ثلاث سنوات قبل
ذلك، قد دخل في عزلة مطلقة، قيل حولها في ذلك
الوقت الشئ الكثير من مثل أنه معتكف في إنجاز
دراسة عن ماركس، أو عن الرواقية (1); و الحال أن
ما أقعد دولوز و جعله يعتزل الناس ; هو اشتداد
المرض الذي زاد من وقعه وفاة رفيقه و شريكه فيليكس
غاتاري في سبتمبر من سنة 1992.
ليس هناك الشئ الكثير لقوله
حول حياة جيل دولوز، فقد كان دائما متمنعا عن
الحديث عن حياته، ليس إخفاءا لسر دفين فيها، بل
لأنه ليس هناك من سر ليكشف أصلا (2)، فقد كان
أستاذ فلسفة، "و حياة الأساتذة قليلا ما تكون ذا
أهمية" (3) إذ الأحداث الكبرى و "الأسرار الكبرى"
في حياة الفيلسوف هي كتبه. و لعل ذلك يكون متأتيا
أيضا من الحذر الشديد الذي كان للرجل من
"النجومية" و غواياتها (4) و موقفه من الإعلام و
"الفلاسفة النجوم" في فرنسا الثمانينات كان
معروفا.
لم يكن دولوز صاحب "فلسفة"
أو مذهب، بل كان صاحب طريقة في التفلسف، إذ هناك
تفلسف على شاكلة دولوز فقط، و ليس هناك "مواقف
فلسفية" لدولوز، و تلك ربما ميزة كل الفلاسفة
الكبار من أبناء جيله (فوكو، ديريدا، ليوتار)، و
هذا ما يفسر في نظرنا، قلة الدراسات الجامعية
حوله، إذ ليس هناك من شئ كثير يمكن قوله "مدرسيا"
حول فلسفته، فلم يكن دولوز بنيويا و
لافينومنولوجيا و لا وجوديا و لاتفكيكيا و لا
هيدغيريا، كان "مجرد" منطق في التفكير يشتغل، في
الميتافيزيقا كما في الفن أو السياسة أو
"الجغرافيا"، منطق يبحث عن ما يسقط سهوا وراء
الهويات المزعومة، عن الإختلافات التي لا ترد إلا
إلى ذاتها، عن الدفقات المتحررة من كل خطاطة أو
مسار، عن التوترات المستعصية على الإحتواء، عن
النافر الذي لا يستقيم مع قوالب التنظير الجاهزة.
كذلك كان فيلسوفا، و كذلك كان مؤرخا للفلسفة، ففي
الوقت الذي كانت الجامعات الفرنسية تنصب على ترجمة
و تقريب نصوص الفلاسفة الألمان الكبار "هيدغر،هيغل،
هوسرل"، كان هو غارقا، و، بزهد غريب في نصوص
فلاسفة مغمورين و مهجورين من مثل "دان سكوت" و "سبينوزا"
و "الرواقية" و "برغسون" و "هيوم"، و لم يكن
تأريخه لهؤلاء بالشاكلة الأكاديمية "الجدية"
حينها، فليس هناك من شئ "جدي" و "حقيقي" في
الفلسفة، أو في تاريخها، بل كان "يستمتع" بخلط
الأوراق و بالتشويش على "البداهات" و "الحقائق".
كان يؤرخ لتاريخ لا أصل فيه و لاتطور، تاريخ
"مرقع"، يستمد عناصره من كل المرجعيات بشكل
"متزامن" و غير مرتب.
ولم
يحاول دولوز أن يبني نسقا أو يعارض اخر، لم يكن له
ثأر فلسفي مع مذهب ما، كان ضد الميتافيزيقا، و كان
مع ذلك فيلسوفا ميتافيزيقيا، كان "هامشيا" في
اختياراته، و لم يكن مع ذلك يؤمن بديموقراطية
الفكر أو شعبيته ; كان "ثوريا" في توجهه، و كان
مع ذلك تقليديا في نظرته للفكر، فأحيانا يكون
الشكل الوحيد لكي تكون ثوريا هو أن تكون تقليديا.
لم
تكن الفلسفة عند دولوز بحثا عن الحقيقة، لأن
الفلسفة لاشأن لها بالحقيقة، و هذا ما يفسر أول
عبارة في كتابه الهام الأخير "ماهي الفلسفة؟" (5)،
فمهمة الفلسفة هي إبداع المفهوم و ليس البحث عن
الحقائق و هي اللهث وراء المسارات و الأحداث "
événements"، فالأهم هو الحدث الحي المتحرك. لا شئ
ثابت و لا شئ يعود و لا شئ يتكرر، و هذا ما لم
يدركه المحدثون و المعاصرون على السواء، فالعالم
دفق من المسارات التي لا تثبت شيئا و لا تزكي
فكرة....بل فقط تترحل و تهاجر على بساط التحايث.
*************************
قد
نسمي هذا النوع من التفلسف بأسماء مختلفة، فلسفة
أرضية " Géophilosophie " ضدا على فلسفة
التعالي"Virtuelle"، فلسفة للمحايثة «Immanence»
ضدا على فلسفة الماهية، قد نسميها "مادية مجردة"
أو ميتافيزيقا افتراضية. ليس ذلك هو الأهم بالنسبة
إلى دولوز، الأهم هو أن هذه الفلسفة تتحرك وفق
بوصلة الأشياء، تنتج و تندهش و تكتشف و تخترع و
تحيا و تفعل، إذ ما يهم في النهاية هوالحياة، إذ
من قال بأن على الفلاسفة أن يكونوا حفاري قبور و
عاشقي جثث "Nécrophiles"؟ مؤرخو الفلسفة ؟ لكم
أتعبنا هؤلاء و اضطهدونا بتاريخ الفلسفة- يقول
دولوز-"لكم أخصونا بأفلاطون و ديكارت و كانط حتى
صار تاريخ الفلسفة عقدتنا الأوديبية" (6).
و
لكأن دولوز يظل وفيا لفلسفة الحياة حتى بعد موته،
و لكأنه يرفض أن يستكين لسلطان النهايات، فيكفي أن
يلج أحدنا شبكة الإتصال الرقمية، و يضع إسم أحد
مفاهيمه التي "اخترع" : "الجذمور"، "بساط التحايث"،
"الدفق"، "خط الإنزياح"، "الالات الراغبة"، لتجد
عشرات المواقع و التخصصات و العلوم التي تصادفك.
فقد خرجت مفاهيم دولوز من كتبه و محاضراته و
سافرت، و ترحلت في مسارات خاصة مستقلة لتطبع
ميادين بعيدة عن النصوص الميتافيزيقية، أو ليست
هذه هي أقوى و أهم مهمة للفلسفة، أن تمد الفنون و
العلوم و الإعلام و "شركات الإشهار" و السياحة و
الخدمات بالمفاهيم و التصورات؟ لكأن الجميع يتكلم
اليوم لغة دولوز و يستدمجها، أو يكون هذا هو الذي
قصده فوكو في مقالته الجميلة حول دولوز (7)
Theatrum philosophicum""، بأنه قد يأتي يوم يصير
فيه القرن العشرين "قرنا دولوزيا".
1- "Pourparlers",
Edition minuit, 1990, p.212.
2- "Dialogues",
Edition Flammarion, 1996, p.58.
3 -
"Pourparlers", Edition minuit, 1990, p.188.
4 -
"Pourparlers", Edition minuit, 1990, p.188.
5- "Qu'est ce que
la philosophie?", Edition minuit, 1996.
6 – Michel
CRESSOLE : «Deleuze»/ «Psychothéque», Edition
Universitaires,
1973, p.110.
7- Michel
FOUCAULT, "Dits et Ecrits", Edition Gallimard,
2001.
-------------------------------------- |