|
"كيف
يمكن لإنسان التاريخ الراهن للعالم ولو حتى التساؤل
بشكل جدي وحاسم إن كان الإله يقترب أم يبتعد، بينما
هذا الإنسان يهمل التفكير من داخل البُعْد الذي فيه
وحده يتسنى لهذا التساؤل أن يوضع؟ هذا البعد هو بعد
المقدس الذي يظل وإن كبعد، منغلقا ما لم ينجل
مُنْفَتَحُ الوجود ولم يقترب في فسحته éclaircie من
الإنسان. ربما تكمن السِّمة المهيمنة لهذا العصر من
العالم في انغلاق بعد السليم l’indemne في هذا ربما
الخسارة الوحيدة".
Heidegger, Q III, p.112
"المقدس هو مجال الإلهي"Heidegger,
AHÖ, p. 248
"الإله واحد من أصوات القدر"Heidegger,
AHÖ, p. 81
****
خارج إطار الحوار
مع
تاريخ الميتافيزيقا حول مسألة التطابق بين الوجود
والإله وأساس هذا التطابق،
وبقناعة أن "نمط فكر التقليد الميتافيزيقي الذي
اكتمل مع نيتشه لا يمد الفكر بأية إمكانية ليعرف
حقيقة السمات الأساسية للعنصر التقني" الذي يفتح على
كل الاحتمالات،
أقساها تمادي الإنسان في صممه حيال نداء الوجود
وجهله الكبير لدلالة ضرورة حضور الآلهة في العالم،
سيمارس الفكر ذاته مع هيدغر كتجربة تكشف عن أوجه
علاقة متميزة بين الوجود والإله من حيث أنها تجربة
الفكر،
كإعداد ينفتح على إمكانات عديدة،
أكثرها استعجالا،
إمكان تجربة المقدس والإعداد لقدوم
إله
إلهي انطلاقا من حقيقة الوجود. غير
أنه لجعل مثل هذا القدوم أمرا ممكنا،
على المفكر أن ينفتح على الشعراء،
وخصوصا هولدرلن،
على شروط تجربة لا يستطيع المفكر أن يمارسها:
"المفكر يقول الوجود،
الشاعر
يسمي
المقدس"
(2)
كتجربة لتجلي حقيقة الوجود في القصيدة وكتجربة
لانتظار ظهور الإله.
1)
الإله والليل المقدس.
في محاضرة "مبدأ الذاتية" سنة 1957،
حاول هيدغر أن يبين كيف يمكن أن ينفتح،
بالنسبة لفكر يسعى إلى معرفة ماهية التقنية الحديثة،
إمكانية أن يرتبط
إنسان
العصر التقني بشعر هولدرلن الذي سيجد فيه مكانا له:
إن فكري،
يقول هيدغر،
يقيم في علاقة غير قابلة للإحاطة بشعر هولدرلن،
وذلك لأنه "يمثل بالنسبة لي الشاعر الذي يشير في
اتجاه المستقبل،
الشاعر الذي ينتظر الإله"
(3)
ضمن هذا الارتباط بشعر هولدرلن سيتجسد الانتقال
الفعلي لهيدغر من مسألة الوجود والإله كما بسطت
ذاتها تيولوجيا في الفلسفة،
إلى مسألة " من الوجود والإله ستصبح الخطوة الأساسية
للفكر كتجربة لأعداد ظهور إله جديد "هي نقل الفكر
إلى بعد آخر،
هذا البعد الآخر هو فسحة الوجود،
هو بعد المقدس".(4)
لكن هل يكفي انتقال الفكر إلى بعد المقدس لكي يقدم
الإله؟ أو بعبارة أخرى،
هل هناك علاقة علية بين فكر هيدغر ومجيء الإله؟
يجيب هيدغر موضحا "إننا لا نستطيع إحضار الإله
بواسطة الفكر،
إننا في أحسن الأحوال،
قادرون على إيقاظ التفرغ لانتظاره"
(5)،
وهذا يعني أنه من المستحيل،
من داخل عصر هجرت فيه الآلهة العالم،
إرغام الإله على المجيء فقط
عبر عملية إعداد مجال ماهيته بواسطة الفكر. هيدغر
أعلن مرارا بأن فكره مجرد إعداد من داخل عصر عالم
بدون أساس،
لمجيء الإله،
وزمن الأساس المندثر هو عصر عالم بدون إله أو آلهة،
كما أنه زمن ليل طويل خاص بعالم لم يسبق للإنسانية
أن جربته،
عتمة هذا الليل،
كتب هيدغر،
تثـقل
على "عصرنا الراهن الخالي من الآلهة"(6)
كينونة زمن ليل العالم تتميز بانتشار الضيق
الذي ما فتئ يزداد حدة وقسوة،
وطالما استمر العالم في ليله،
ازداد في نظر هيدغر،
حجم ضيق عصر الحداثة كعصر معوز لم يعد بمستطاعه أن
ينتبه إلى عوزه أو يدرك ما يقوله هذا العوز؟ هذا
العوز الذي به يسقط الشعور بالعوز في الغياب
والنسيان،
والذي يداري ذاته بالتنظيم التقني لأساليب في الخلاص
بغرض ملئ فراغ غياب الآلهة،
هذا العوز يؤكد هيدغر،
هو العوز الخاص بهذا الزمن وحده.
ورغم هذا لا توحي عملية إبراز هيدغر لخصوصية ضيق هذا
العصر من العالم،
بأنها تعبير عن موقف تسنده مقولات مثل التشاؤم
والتفاؤل،
من جهة لأنهما معا لا يتجاوزان كونهما تقديرين
يرتبطان بالقيم ويتحركان في منطقة الفكر
الميتافيزيقي(7)،
ومن جهة أخرى،
وبحكم انتمائهما الميتافيزيقي هذا،
يمنعان تجربة الضيق من حيث أنها تجربة لغياب الضيق:
"ليل العالم ينبغي تفكيره كقدر علينا تحمله متجاوزين
التشاؤم والتفاؤل"(8).
فتحديد غرق العالم في عتمته وفي الأزمة التي لا اسم
لها،
وفي التيه المتنامي،
لا يختلف عن التنبؤ بطلوع نهار جديد يضيء ليل العالم،
وهما فعلان لا ينصح هيدغر بالحسم في الانضواء تحت أي
منهما. على الفكر من حيث أنه فكر يسعى إلى تحديد
ماهية ومصدر ما يوجد،
أن يقول العوز بما هو عوز الوجود وأن يتساءل
بالارتباط مع إعادة تحديد ماهية الإنسان،
فما يجعل إنسان العصر الراهن غير قادر لا على إدراك
كون "العالم صار بدون خلاص"(9)
ولا على تبين غياب الخلاص كأقصى صور التهديد: "إن
تلاشي ما يخلص يغلق منفتح المقدس. انغلاق المقدس
يعتم كل لمعان لما هو إلهي. تعميم يرسخ ويخفي غياب
الإله"(10)
بيد أن غياب الإله لا يعني الفراغ المطلق فيما يخص
علاقة الإلهي بالعالم،
غياب الإله بقدر ما يعني الافتقار إليه بقدر ما يشير
إلى حضور الامتلاء المستمر لما كان موجودا: "الإلهي
عند الإغراق،
عند أنبياء اليهود والمسيح. ومن هنا،
فإن غياب الإله،
يؤكد هيدغر،
يحمل بداخله ما ليس بعد،
وما هو في طور المجيء لأنه لا يستنفذ أبدا(11)
مما يكشف عن أن الأساس الغائب هو في نفس الوقت قريب،
ولا يزال "الإله الغائب يحيى في طليعة السماويين"(12)،
وبالتالي فإن البشر مطالبون بانتظار علامات مجيء
الآلهة إن هو تزامن لديهم "وعدم جهلهم بآثار غيابها"(13).
لهذا،
لا ينبغي من منظور هيدغر،
اعتبار غياب الآلهة نقصا،
ولا يليق بالبشر أن يصنعوا من تلقاء أنفسهم إلاها ما
ليقضوا على ذلك النقص المزعوم،
كما لم يعد مسموحا لهم في زمن العوز،
التشبث بالاستمرار في الاعتراف بإله التقليد
المعهود. في انتظار الخلاص بظهور إله آخر،
المفروض ينبه هيدغر،
أن لا يميل "الفانون
إلى انتقاء آلهتهم وتعيينها من تلقاء أنفسهم،
وأن لا يمارسوا عبادة الأوثان"،
(14)
إذ في مثل هذه السبل سينمحي حضور الغياب. يتوجب على
الفانين إذن مواجهة "الغياب بالقرب المتأمل إلى أن
تصبح هذه العلاقة بالإله منطقا لصيانة كلام أصيل
يسمى الأعلى"(15).
لكن
كيف
يغدو بمقدور إنسان العصر الحالي للتاريخ،
يقول هيدغر متسائلا: "أن يتساءل بشكل جدي وحازم إن
كان الإله يقترب أم يبتعد بينما هو يهمل التفكير من
داخل البعد الذي فيه وحده يمكن لهذا التساؤل أن
يوضع؟ هذا البعد هو بعد المقدس"(16).
كيف السبيل إلى المقدس أو كما يسميه هيدغر،
السليم،
إذا كانت السمة المميزة لهذا العصر من العالم هي
انغلاق بعده؟ كيف السبيل إلى المقدس وأكثر صور
الافتقار إلى الآلهة وغياب الخلاص،
لا تقف عند حدود كون "المقدس من حيث أنه أثر
للألوهية قد ضاع،
بل في كون آثار هذا الأثر تكاد تنعدم".(17)
ويندر وجود من يستشعر الهوة ومن يقدر على الانتباه
إلى علامات عصر بدون بعد المقدس وذلك بقدر ما تمحى
هذه الآثار؟
انطلاقا من ضرورة استجابة المفكر لقدر عصره،
ولكي لا يتبقى الحيرة والترقب سمتي علاقة الإنسان
الغربي بالإلهي،
طرح هيدغر سؤال متميزا يعكس حاجة البشر إلى الأرض
إلى ما أصبح يعتبر انعكاسا لبدائية فكر غارق في طور
الأسطورة من المنظورات العلمية الحديثة،
هذا الذي صار مجرد إحالة إلى مرحلة دنيا من تطور
العقل،
هو ما شكل المسألة الأساسية التي ينبغي إثارة السؤال
حولها،
كيف يصبح المقدس كلاما؟ سيقول هيدغر ضدا في كل
النزاعات العلمية وإعلانا عن ضرورة إعادة رباط الفكر
والشعر كإقامة بالقرب من حقيقة الوجود،
وكدرب جمالي روحاني يقول المقدس كفضاء ما هوي أصلي
للألوهية،
ومجال وحيد للإله الإلهي. هذه العلاقة بين الوجود
وتجربة المقدس شعريا،
تعكس في نظر هيدغر،
كيف أن الشعري لا يتحقق إلا في بعد الفكر،
وكيف أن الشاعر لا يغدو عظيما إلا بمقدار ما يكون
مفكرا،
وذلك بالمعنى الذي يتحدد به الفكر كتوافق مع قدر
العصر وخصوصا حينما يفتقد العصر إلى عنصر الإلهي.
مقارنة مع التجربة الجذرية للمقدس مثلما تكشف عن ذلك
الأعمال الشعرية لهولدرلن،
تبدو كل محاولة لإحياء آلهة الماضي جد سطحية وأكثر
الظواهر غرابة لأنها لا تدرك أن "ما الآلهة إلا زمن"(18)
وأن "العنصر السماوي عابر"(19)
بقدر ما أنها تتشبث بالتصور الديني الذي "يضع الآلهة
والإلهي خارج الزمن واعتبارهما على أنهما الخالد"(20).
أمام هذه الحقيقة،
ينبغي في نظر هيدغر،
تقبل موت الآلهة بمعنى التخلي عن الآلهة القديمة
وعدم رثائها،
دون أن يعني ذلك سقوطا في الإلحاد أو اليأس ولا
طريقة بارعة للتكيف مع موتها(21).
إن هذا التخلي صمود في لحظة الحداد المقدس الذي لا
علاقة له بالنواح على شيء ضاع ولا بتلك الكآبة المتقلبة،
كما أن الحداد المقدس يضيف هيدغر،
ليس تيها بدون أمل ولا هدف،
وليس تعلقا يهزه الحنين للماضي،
وإنما صمود التنازل عن التعلق بالآلهة التي كانت.
ترك الآلهة لموتها تعبير عن محبتها, في حين أن كل
محاولة لإيقاظها،
انتهاك عنيف لألوهيتها وأسوأ ما ينجم عنها،
في حين أن كل محاولة لإيقاضها انتهاك عنيف لألوهيتها
وأسوأ ما ينجم عنها،
"جذب الآلهة نحو حاضر غير أصيل ولا إلهي"(22).
تحمل غياب الآلهة في الحداد المقدس،
بقدر ما يشكل عزما على التخلي عن الآلهة القديمة،
بقدر ما يحفظ لهذه الآلهة ألوهيتها ويقيم بالقرب
منها،
مما يحول هذا التخلي إلى مواجهة غياب الآلهة وتحمل
انتظار لقاء جديد ممكن مع آلهة أخرى جديدة. إلا أن
مثل هذا التنازل عن التعلق بالآلهة التي كانت حينما
يقترن بسمة عصر انمحى فيه كل أثر يقود إلى الإلهي،
ولم تبق كما يقول هيدغر،
سوى الهوة،
يفترض ضرورة وجود بعض الأفراد الذين يتحملون مباشرة
حضور أو غياب الآلهة ويتمكنون من تحمل هذين الوضعين
معا ويجسدونهما في الأعمال التي يبدعونها(23).
وحدهم هؤلاء الأفراد كفنانين مستشعرين لتهديد مستديم
لانغلاق بعد المقدس،
وأكثر منه تهديد غياب حظهم في العثور عليه،
من يجازفون أكثر من غيرهم بالوقوف عند الهوة كخطر
لأنهم يجربون من خلال غياب الخلاص،
الوجود دون مأوى،
يتعرفون على الخطر الحقيقي الذي هو نسيان الوجود
كأساس لغياب الآلهة.
إن الهوة يؤكد هيدغر،
هي الأثر الوحيد الذي يرسم علامات الطريق إلى المقدس
ودليل على آثار الآلهة الهاربة: الهوة كخطر،
يقول هيدغر،
تدل على أثر الخلاص،
"الخلاص يستدعي المقدس،
المقدس يعيد الرباط بالإلهي،
الإلهي قريب من الإله"(24).
وبما أن الخطر يستحيل تحاشيه بالانسحاب في اتجاه
مناطق أقل تهديدا،
إذ أن الخلاص ينبثق بالضرورة من الخطر،
فمن الضروري كذلك أن يسير هؤلاء في اتجاه الخطر،
في اتجاه تجربة غياب الإله بحثا عن آثار المقدس في
زمن الضيق،
لأنهم يملكون القدرة على الحدس وعلى اقتفاء آثار
الآلهة الهاربة،
ويحملون لإخوتهم من الفانين في عتمة ليل العالم،
آثار هذه الآلهة ويرسمون لهم طريقا للانعطاف،
يقود من الخطر كهوة إلى القرب من حقيقة الوجود حيث
ينفتح بعد المقدس: هنا موقع الشاعر وهذه مهمته في
أكثر الأزمنة فقرا وضيقا: " أن يكون المرء شاعرا في
زمن العوز،
معناه: الإنشاد مع الانتباه إلى أثر الآلهة الهاربة.
لهذا السبب،
وفي زمن ليل العالم،
يقول الشاعر المقدس. لهذا السبب،
ليل العالم في لغة هولدرلن،
هو "الليل المقدس"(25).
إلا أن الليل المقدس بالنسبة لهولدرن،
هو أساس مولد النهار،
فإذا كان المقدس سيأتي مثل النهار في طلوعه،
وباعتباره تلك الهبة التي تخبر بمجيء الآلهة،
فإن الليل سيكون إذا زمن بدون آلهة،
لكن هذا لا يعني فقط غياب الآلهة،
فالزمن الذي ينعدم فيه وجود الآلهة يحمل أيضا ما هو
في طور الخروج إلى النور. الليل المقدس هو الزمن
الذي يأوي الآلهة التي كانت ويحجب الآلهة التي ستأتي(26)،
ذلك أن الليل بكثافته وهو يأوي ويحجب بهذه الكيفية،
ليس لا شيئا،
إنه يملك أيضا نوره الشاسع وذلك السكون المناسب
للتحضير في صمت لمجيء الإله.
لم الصمت؟ وإلى ماذا يحيل؟ أ إلى لغة المقدس أم إلى
استعداد الشاعر لقوله؟ هيدغر يسمى المقدس القصيدة
السابقة لكل قول،
لكنه مع ذلك يقال في القول الشعري.
ما هذا الذي يسبق كل قول والقابل لأن يظهر للبشر
بواسطة القول؟.
2)
المقدس والقول الشعري
يقول هيدغر في "رسالة حول النزعة الإنسانية":
"انطلاقا فقط من حقيقة الوجود لا غير يتسنى تفكير
ماهية المقدس. وانطلاقا فقط من ماهية المقدس ينبغي
تفكير ماهية الألوهية.
فقط في نور ماهية الألوهية يغدو ممكنا تفكير وقول ما
على كلمة "إله" أن تسميه"(28).
إن كان يجب اعتماد هذا الشهير لهيدغر للوقوف من
خلاله على التطابق الماهوي بين هوة الوجود والمقدس
والاقتراب من ماهية الألوهية لتبين ما الإله،
فإن هذا يفترض أيضا الإشارة إلى الأهمية المزدوجة
لهذا النص،
من جهة،
يجدر الانتباه إلى كون الإله،
حسب النص أعلاه،
آخر ما يمكن تعيينه وبالتالي تسميته،
بمعنى أنه لا يعكس نهائيا تراتبا،
الغاية منه أن يكون الإله هو الغاية النهائية،
وذلك لأن تجربة المقدس تعاش مع ملتمسه بالاستسلام
لطبيعة المقدس ذاته ولما يسمح به من درجات الكلام،
بحيث أنه هو الذي يمنح الكلام،
ويأتي هو ذاته بواسطة الكلام،
إلى حد أن الكلام يكون حصولا ذاتيا له،
وهذا معناه أن حقيقة الوجود تقال مع مجيء المقدس إلى
الكلام. لهذا السبب اعتبر هيدغر بأن شعر هولدرلن |