ليست البداهة العقلية هي المعيار المناسب للحقيقة

                                 

"ليست البداهة العقلية هي المعيار المناسب للحقيقة"
أطرها القولة وحللها
إعداد: ذ. الرامي عبد الغاني
تحميل الملف


أولا التقديم: كأن نقول مثلا
ينفتح مضمون المقولة على مجزوءة المعرفة، إذ تتناول مفهوم الحقيقة، فالحقيقة مفهوم غامض وملتبس، نظرا لاختلاف مجالاتها وتنوعها واختلاف أوجهها ومظاهرها: (حقيقة عقلية أو حسية حدسية) ومن ثمة تختلف معاييرها والطرق المؤدية إليها. ويتحدد المجال الإشكالي لهذا المفهوم في إطار السعي المتواصل للإنسان لبلوغ الحقيقة، (الدينية، العلمية، الاجتماعية...) وفي جميع الأحوال، فالحقيقة يتم التعبير عنها دائما بواسطة اللغة والخطاب، والإنسان دائم البحث عنها، وهو يستخدم في ذلك عدة وسائل وطرق. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الان وسنحاول الاجابة عنه هو: ما هي معيار الحقيقة، وان قلنا على أن الحقيقة هي مطابقة الفكر لموضوعه فما طبيعة هذا الموضوع الذي يطابق الفكر ويتسم بالبداهة بحيث يكون واضحا بذاته ولا يحتاج إلى برهان...؟ هل هو من طبيعة عقلية خالصة أم من طبيعة حسية تجريبية.. أو بمعنى آخر هل يمكن اعتبار البداهة معيارا مناسبا للحقيقة أم أننا نحتاج إلى البحث عن معايير أخرى لبنائها؟

ثانيا التحليل: كأن نقول مثلا
قبل الغوص في المضمون المعرفي للقولة، ينبغي أولا الوقوف عند أهم المفاهيم المؤسسة لها حتى يتسنى لنا فهمها، وهكذا نجد مفهوم الحقيقة، والذي يعني على المستوى اللغوي كل ما هو ثابت ومستقر ويقيني، في مقابل المتغير والزائف والمتحول، وهنا يمكننا استحضار الجرجاني القائل من خلال كتابه التعريفات "ان الحقيقة هي الشيء الثابت قطعا ويقينا، فيقال حق الشيء إذا تبين، وهي اسم للشيء المستقر في محله، وحقيقة الشيء هي ماهيته وجوهره... والحق هو اليقين بعد الشك". أما على مستوى الفلسفي فلها دلالات متعددة ومختلفة، فنجد مثلا أندري لالاند في معجمه الفلسفي يعتبرها صفة لكل ما هو حق، فهي القضية الصادقة أو القضية التي تمت البرهنة عليها. وأيضا فهي مطابقة الفكر لموضوعه كما عبر عن ذلك الفيلسوف مارتن هايدجر، أو مطابقة ما في الأذهان لما في الأعيان كما عبر عنه الفلاسفة المسلمون.
أما المفهوم الثاني الذي جاء في القولة فهو البداهة والذي يشير لغويا إلى معنى الوضوح والرؤيا، ويشير على المستوى الفلسفي إلى وضوح الأفكار والقضايا التي تفرض نفسَها على الذهن ولا تحتاج إلى برهان أو حجة لإثباتها، فالبديهي إذن هو الذي يفرض نفسه فرضا على العقل ولا يترك له أدنى مجال للشك. وأخيرا مفهوم المعيار، والذي يمكن اعتباره المقياس الذي يقاس به غيره، أو المرجع الذي تُمَيَز وتصنف به الأشياء والمفاهيم وبه يحكم على قضية ان كانت صحيحة أو خاطئة.
ان العلاقة الرابطة بين هذه المفاهيم هي التساؤل عن معيار الحقيقة أو التساؤل عن العلامة التي تسمح بالتعرف على الفكرة الحقيقة وتمييزها أو الشروط التي إن توفرت في فكرة ما نعتت بالحقيقة. مما يدل على أن بلوغ الحقيقة وتحصيلها، لا يعتمد على معيار واحد ووحيد، وإنما يتعدى ذلك إلى معايير متعددة، بتعدد المذاهب الفلسفية والتيارات المعرفية.

وانطلاقا من تحديدنا لهذه المفاهيم المركزية، يمكننا القول كجواب على الإشكال المطروح ان صاحب هذه القولة ينفي إمكانية الاطمئنان أو الاعتماد على البداهة العقلية كمعيار لبناء الحقيقة. حيث نجد معارف تنتشر بين عامة الناس، ويمكن أن نجمعها تحت اسم واحد وهو الرأي أي المعرفة العامية. وأيضا معارف أخرى قائمة على البحث عن الحقيقة واستجلاء المسائل والطرق المؤدية إليها والتي نسميها بالمعرفة العلمية. وبالتالي يؤكد صاحب القولة على أنه لا يمكننا ان نعتبر البداهة العقل هي الموصلة للحقيقة، لأن العقل البشري عقل محدود، ولا يستطيع لوحد الخوض في المواضيع والمسائل التي لا تتوفر له عنها معلومات جيدة، (الغيبيات على سبيل المثال) أو ما نسميه بحقائق القلب والتي لا حض للعقل منها. زد على ذلك ان هذا العقل البشري يسهل خداعه، فحين نزوده بمعلومات خاطئة فإنه يقع في الخطأ بسهولة. ومن هنا فهو يرفض معيار البداهة العقلية الذي نادى به اتباع النزعة العقلانية، ويدافع عن مبدأ ومنهج خاص قوامه البداهة الحسية، والتي تجعل من التجربة والحس المصدر الاول والمباشر لما نعلمه من الحقائق، فالتجربة وحدها هي التي تنقش في عقولنا المبادئ والأفكار، وهكذا فليس هناك إطلاقا معان فطرية وموروثة في العقل البشري.

المناقشة: كأن نقول مثلا
من خلال تحليلنا لمضمون القولة نجد أن قيمتها تتجلى في اعتبار ان الحقيقة لا ترتكز على البداهة العقلية ووضوح الأفكار، قدر ما ترتكز على بداهة الحواس ومطابقة الفكر للواقع، فمعيار البداهة العقلية قريب جدا من معاني الشعور والعاطفة مما يجعله معيارا نسبي وذاتي، فما يبدوا بديهيا لي ليس بالضرورة بديهي للأخر، زد على هذا هناك أشياء كثيرة تبدو لنا بديهية من الولهة الأخرى رغم أنها خاطئة، لأن أحكامنا تخضع في كثير من الأحيان لبعض الأحكام المسبقة والآراء الشائعة. لكن هل يمكن اعتبار هذا الموقف نهائيا ومطلقا يحدد فعليا معيار الحقيقة...؟ وهل في تخلينا عن البداهة العقلية والتركيز عن البداهة الحسية يمكننا الوصول إلى الحقائق...؟ ألا يمكن أن تكون البداهة العقلية والبداهة الحسية معا أساسا ومعيارا للحقيقة..
وكإجابة عن هذه الأسئلة والتي سننتقل من خلالها لاستحضار مجموعة من المواقف التي تدعم أو تعارض صاحب القولة يمكن ان نقول عن معيار البداهة الحسية ما قلناه سابقا عن معيار البداهة العقلية، وهنا تتجلى حدود هذه القولة، حيث ان هناك ميادين كثيرة ومختلفة لا نستطيع فيها استعمال البرهان التجريبي للوصول إلى معرفة الحقائق، فكيف يمكننا من خلال التجربة بناء حقيقة عن نشأة الكون، أو الغوص في الامور الميكروسكوبية في الفيزياء المعاصرة دون بناء نظري عقلي، فالرياضيات التي تعتبر نموذجا للعلم الذي يستخدم أعلى درجات البرهنة فهي تعتمد على معطيات (مسلمات) لا يمكن البرهنة عليها، وبالتالي لا يمكن إخضاع كل حقيقة للبرهنة.

من هنا يمكننا الحديث مع ديكارت الذي يعتقد أن هناك طريقا آخر لبلوغ الحقيقة يختلف عن طريق البرهان: إنها البداهة، فهو لا يعترف بقيمة المعرفة الحسية في بلوغ الحقيقة لان الحواس في نظره تخدع الانسان وتنتج معرفة ظنية غير يقينية لا يمكن ان نتق فيها. بل الطريق الاساسي لبلوغ الحقيقة دون الوقوع في الخطأ يكمن في العقل وحده عبر الحدس والاستنباط. فالحدس إدراك عقلي بديهي وفطري، بينما الاستنباط إدراك غير مباشر للحقيقة ومن خلاله يتم استخلاص حقائق جديدة من الحقائق البديهية الاولية. فالحدس والاستنباط هو اساس المنهج المؤدي الى الحقيقة.
من خلال كلام ديكارت ذو النزعة العقلانية نستحضر في النقاش جون لوك ذو النزعة التجريبية المؤكد على ان الحقيقة مقرونة بما تمدنا به انطباعاتنا الحسية، ويقول في هذا الصدد "ان العقل صفحة بيضاء ليس فيه شيء قبل التجربة، بل إن جميع أفكارنا منبعها التجربة التي وحدها تنقش في عقلنا المبادئ والأفكار البسيطة منها والمركبة. ونفهم من هذا الكلان على ان البداهة المطلوبة هنا هي بداهة الحواس وليست بداهة الأفكار الواضحة والمتميزة كما يدعي ديكارت، فلكي أحكم على طعام انه حلو أو مر ويكون حكمي صادقا فما على إلا أن استعمل حاسة الذوق، وهكذا بالنسبة لجميع الحواس.
وكموقف توفيقي بين النزعتين العقلانية والتجريبية نستحضر كانط من خلال قولته المشهور "المفاهيم العقلية دون حدوس حسية قوالب جوفاء، والحدوس الحسية دون مفاهيم عقلية تظل عمياء." فقد حاول من خلال كتابه "نقد العقل الخالص" بناء موقف وسط بين هذه المواقف المذكورة سابقا، حيث يؤكد أنه لا يمكن بناء المعرفة من دون تجربة، فهي تستدعي المعطيات التي تمدنا بها الحواس (الحدوس الحسية) والأفكار التي تنتج عن الفهم (المقولات العقلية). فجعل البداهة تشمل كل من العقل والتجربة، وهكذا تكتسي البداهة مع كانط طابعا خاصا، فلا هي عقلية ولا هي تجريبية، وإنما هي مركبة منهما معا.
إن هذا التمييز والتمايز بين العقلانيين والتجريبيين هو الذي قاد باسكال وقبله الغزالي في كتابة "المنقذ من الضلال" إلى الخلاصة التي تقر بأن هناك حقائق لا يمكن للعقل الوصول إليها، وأن للقلب علله التي لا يمكن للعقل أن يدركها أبدا، فالإيمان من المستحيل الاقتناع به عقلا، فهو أصم أمام كل برهان، فوجود الله لا يمكن البرهنة عليها كما هو الأمر بالنسبة لنفي وجوده، بل يمكن الإيمان به فقط.

الختام: كأن نقول مثلا

نخلص من خلال تحليل ومناقشة مضمون القولة أن هناك تباينا في المواقف بخصوص المعيار الذي يمكن الاطمئنان إليه لتأسيس الحقيقة والتعرف عليها فمنهم من قال بوجود بداهة تتأسس على ما هو تجريبي محض يستند إلى الواقع كأساس ومعيار للحقيقة، ومنهم من قال بوجود بداهة عقلية محضة خالصة تحمل معايير صدقها في ذاتها ولا تحتاج إلى برهان من غيرها، إلى جانب قول ثالث حاول التوفيق بين الاتجاهين، فاعتبر البداهة عقلية وحسية في نفس الوقت. وختمنا تحليلنا ونقاشنا لهذه الموضوع بالتأكيد على دور القلب في الوصول إلى الحقائق التي يعجز عنها كل من العقل والتجربة.

شاركه على جوجل بلس

عن rami abdelghani

    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 تعليقات:

إرسال تعليق